الأحد، 13 يناير 2013

احتفظ برأيك.. لنفسك

أنت يا من تقرأ هذه الكلمات إنسان فاشل، شكلك لا يعجبني، كما أن ملابسك التي ترتديها الآن قبيحة لأن ذوقك سيئ، لا تغضب (فلا أحد يغضب من الصراحة!)، هذه هي الصراحة وهذا هو رأيي الذي من حقي التعبير عنه.
 
تنتهي الكثير من النقاشات الحادّة بجملة "هذا هو رأيي، أليس من حقي أن يكون لي رأي؟ "، وكثيرًا ما تساءلت..هل من حق الناس الإساءة لبعضهم البعض بذريعة "حرية التعبير"؟
 
لا أحد يستطيع حرمانك من رأيك بإدخال يده في رأسك لينتزع منه آراءك في الحياة، من حقك بل من طبيعة تكوينك أن "تفكر" بشكل مستقل، ولكن ليس من الحكمة أن "تعبّر" عن أفكارك في كل شاردة وواردة، فتغتاب هذا وتجرح ذاك وتحرج هذا وتتدخل في شؤون ذاك وتخسر هذا وتتشاجر مع ذاك، كل ذلك من أجل أمور تافهة لم يكن من الضروري أن تصدح برأيك فيها من الأساس، نعم اطمئن فلك رأي وهو موجود في رأسك، لكن.. احتفظ به لنفسك.
 
- إذا كان التعبير عن رأيك يعد أكلاً للحمٍ ميتٍ، تغتاب فيه الناس فتستهزئ بهم أو تقذفهم لمجرد أن لك رأيًا في أشكالهم (التي صوّرها الله سبحانه) أو تصرّفاتهم.. فاحتفظ برأيك لنفسك.
 
- إذا كان في رأيك تدخل في شؤون الآخرين، تنتقد فيه خياراتهم في حياتهم الخاصة كإدارتهم لأموالهم أو اختيارهم لشركاء حياتهم، وهي أمور ليست من شأنك أبدًا.. فاحتفظ برأيك لنفسك.
 
- إذا كان رأيك يتعلق بموضوع لست ملمًا به، فتطلق أحكامًا على الآخرين بناءً على معلومات ناقصة، أو تغرّد في تويتر عن أمور لم تفهمها بشكل كافٍ في الدين أو السياسة أو الرياضة وغير ذلك.. فاحتفظ برأيك لنفسك.
 
- إذا كان التعبير عن رأيك سيسبّب فتنة بين الناس، كأن يتسبب بطلاق زوجين، أو يثير الخلافات بين الإخوة، أو يشعل نارًا مذهبية عبر وسيلة إعلامية.. فاحتفظ برأيك لنفسك.
 
- إذا كان التعبير عن رأيك سيجعلك تخسر صديقًا، أو سيوغر صدور البعض عليك، فكان الثمن الذي ستدفعه بالتعبير عن ذلك الرأي مرتفعًا جدًا رغم أنه يتعلق بأمر هامشي لا يستحق كل تلك البلبلة.. فاحتفظ برأيك لنفسك.
 
-إذا لم تملك الأسلوب الحسن، وأصبح تعبيرك عن رأيك تجريحًا للآخرين فانشغلوا بسوء أسلوبك عن منطقية فكرك، فتعلم أولاً كيف تتحدّث، وإلى ذلك الحين.. احتفظ برأيك لنفسك.
 
- إذا كنت تعلم أن الشخص الذي أمامك لا يتقبّل الآراء من الآخرين أو منك شخصيًا، فهو لا يريد الاستماع لك ولا يهمّه رأيك فلن يأخذ به بل سيهاجمك بسببه.. فاحتفظ برأيك لنفسك.
 
- إن كان رأيك عبارة عن انتقاد لتصرفات تمارسها أنت شخصيًا، فتأمر الناس بالبر وتنسى نفسك.. فاحتفظ برأيك لنفسك.
 
كثيرة هي المواقف التي يفضل فيها أن نحتفظ بآرائنا لأنفسنا، وما الأمثلة أعلاه إلا نموذج بسيط من الكم الهائل من المواقف اليوميّة التي تصادفنا فتزل ألسنتنا بالتعبيرعما نراه نحن رأيًا ويراه الآخرون إهانة أو تدخلاً في شؤونهم أو غير ذلك من التأويلات، فما تراه أنت رأيًا قد يراه الآخر شيئًا آخر، فهو كذلك له رأي في رأيك الذي اخترت أن تعبّر عنه متحملاً بذلك كل تبعات قرارك.
 
إن رأيك ثمين فلا تسترخصه باستنزافه على توافه الأمور، اجعل لكلمتك ثقلاً يفرض على الآخرين احترامك فأنت لم تمنحهم صلاحية الاطلاع على رأيك إلا حين استحق الأمر أن تتحدّث عنه.
 
* يقول ربنا سبحانه وتعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ..) الإسراء 53
 
جريدة الراية القطرية - الإثنين 14/1/2013 م
 


الأحد، 6 يناير 2013

( حتى يغيروا ما بأنفسهم )

 
قالت لي: "لا أطيق بخله، أنا أرضى بالقليل لكنه مقصّر في أساسيّات الحياة بالنسبة لأبنائنا، أخشى أن يأتي اليوم الذي ينفد فيه صبري فأهدّ أركان هذا البيت الذي بنيته بحب صادق ورغبة حقيقيّة في صنع عائلة سعيدة، وما زلت أحاول أن أغيّره حتى يتخلص من هذا البخل!"، أمّا أنا فوددت لو أنّها حاولت توفير المال بنفسها بدل أن يضيع العمر في انتظار الذهب من دجاجة عقيم.
 
فادحة هي الجهود التي نستنزفها في محاولة تغيير الناس حولنا، ولو أننا استعضنا عنها بتغيير أنفسنا لنتأقلم مع عيوبهم لوفّرنا الكثير من العمر، نحن لن نستطيع أن نمنع الحقود من حقده ولا البخيل من بخله، والأولى أن ندعهم وشأنهم ونترك مهمّة تغييرهم للأيام؛ لعلّهم يتأثّرون بمضيّ العمر أو بصدمة ما.
 
إن من مضيعة العمر أن تدفعه ثمنًا رخيصًا في سبيل أن يتغيّروا من أجلك يومًا ما، ألم يأن الأوان لنستيقظ من الأمل الكاذب فنستوعب أخيرًا أن من لا يهمّه رأينا ولا تُوجعه نظرات خيبة الأمل في أعيننا لا يستحقّ حقًّا كل تلك الجهود؟
 
نهدر الكثير من الوقت والجهد في المحاولات الساذجة لتغييرهم، وعندما نفشل يهجم علينا الغضب والإحباط رغم أن أصحاب الشأن أنفسهم لا تتحرّك مشاعرهم قيْد أنملة، متى ننفض اليد من تغييرهم ونُقرّر أخيرًا إمّا أن نتقبّلهم كما هم أو نتركهم للأبد؟
 
تكمن الصعوبة في أنهم غالبًا أشخاص قريبون من قلوبنا، كالأبناء أو الأصدقاء المقرّبين أو الأزواج أو حتى الآباء، هؤلاء لا نُريد أن نتخلى عنهم ولا نستطيع تجاهل تدميرهم لأنفسهم أمام أعيننا، فما الحل؟
 
في أحيان كثيرة لا يُوجد حلٌّ مباشرٌ، فنصيب البعض منّا هو معاناة التفرّج على حبيب يغرق وبجانبه طوق نجاة يرفض استخدامه، من صور العذاب في هذه الحياة ألاّ نتمكن من انتشال الأحبّة ما أوقعوا أنفسهم فيه، كأمٍّ ابيّضت عيناها حزنًا على ابن هجرها منشغلاً بإدمان لا يُريد له علاجًا حتى ماتت دون أن يُلقى عليها قميصه، كأبناء ابتلوا بأبٍ يُمارس عليهم أبوّة من نوع آخر فلا يكاد يصحو من سكرة حتى يغطّ في أخرى أعمق، كأبٍ بلغ من الكبر عتيًّا يُناجي ربّه في سجود صلاة الجمعة أن يأتي بأبنائه الشباب إلى هذا المكان بينما يغطّون في نوم عميق حتى يعود إلى المنزل محدودبَ الظهر بسجادة على كتفه محاولاً إيقاظهم لتناول وجبة الغداء.
 
ورغم كل شيء، ولأن لا علاج للحب، فأنا أرى أن تستمرّ المحاولات الخجولة لوعظهم بين فترة وأخرى، وألاّ تنقطع سهام الليل عن اختراق السماوات من أجلهم،عسى الله أن يهديهم لإصلاح أنفسهم، ويُلهمنا الصبر الجميل، ويُقدّرنا على احتوائهم إن قرّروا يومًا أنهم في حاجتنا لنُعينهم على التغيير.
 
جريدة الراية القطرية - الاثنين 7/1/2013 م

الأحد، 30 ديسمبر 2012

رحلة إلى وطن من نوع آخر

يفتخر بأسفاره الكثيرة التي امتدت إلى مشارق الأرض ومغاربها، لايدع أي فرصة للسفر مهما قصرت المدة إلا استغلها، وأثناء رحلاته العديدة إلى بقاع الأرض المختلفة تمر الطائرة دائماً على بقعة وحيدة لم تطؤها قدماه.
 
يراها على الخارطة في شاشة الطائرة أمام مقعده، ورغم أن الطائرات تتجه لها يومياً من كل مكان إلا أنه لم يكن على متن أي منها، يتجاهلها رغم أن المؤشر الأحمر يتجه نحوها هي بالذات، يتجاهلها رغم أنه يصلي خمساً يومية باتجاهها.
 
في الوقت الذي يدفع فيه الكثيرون الغالي والنفيس في سبيل الوصول إلى تلك البقعة المباركة، فيقطعون البحار والجبال، ويبيعون ممتلكاتهم المتواضعة، وربما قضوا السنين الطوال في جمع المال لتذكرة طيران واحدة، يوجد آخرون لاتفصلهم عن بيت الله الحرام سوى سويعات قليلة، يتمتعون ببسطة في العلم والجسم، لكنهم بخلوا على أنفسهم بفضل عظيم.
 
لاتحرم نفسك لذة الابتعاد عن هذه الدنيا ومافيها والفرار إلى الله، يحتاج كل إنسان إلى رحلة روحية يغسل فيها ما اعتراه من خسائر وهموم، ويسجل فيها امتنانه للكريم الرزاق، هي رحلة يتجدد بها العهد، رحلة من وطن إلى وطن من نوع آخر.
 
منظر الأكفان المحمولة على الأكتاف وهي تطفوا بخفّة بين أفواج ضيوف الرحمن منظر مهيب، ذلك أن هؤلاء يُزفون إلى جوار الكريم ويصلى عليهم في بيته سبحانه، يغبطهم على هذا الشرف زوار هذا البيت فكأنما انقلبت موازين الدنيا إذ يُغبط الميت على موتته مهما كان صغيراً، لكنها الموازين الحق..موازين الآخرة الباقية.
 
وكما يقال فنحن أصلاً غريبون في هذه الحياة على هذا الكوكب في هذه المجرة، الجنة هي الوطن الأم الذي خرجنا منه لنغترب هنا حتى نعود هناك، بل إن مايشعر به الإنسان في الدنيا من ضيق قد يكون من أعراض الغربة وشوقاً إلى موطنه الأصلي حيث كان أبوه آدم عليه السلام، فالإنسان لايمل من الوطن إلى درجة أن يريد تركه للأبد، لكن الكثير من الطاعنين في السن يصرحون بأنهم سئموا حقاً من العيش ويرغبون في الرحيل أخيراً بلاعودة، حيث أن مدة الاغتراب لديهم طالت كثيراً (بطول أعمارهم) مما أطال مدة ابتعادهم عن الجنة وطنهم الأول حيث الراحة الحقيقية.
 
يوافق نشر مقالي اليوم الأخير من عام 2012، أكتبه من جوار الحرم المكي حيث يطوف الإنس حول البيت العتيق وفوقهم ملائكة كرام يطوفون في السماء السابعة حول البيت المعمور، تحت هذه السماوات المفتوحة يبدو كل شيء ممكناً، ويبدو من الممكن جداً أن يختلف هذا العام عما سبقه، اللهم فرج عن المسلمين.
 
جريدة الراية القطرية- الإثنين 31/12/2012 م
 

الأحد، 23 ديسمبر 2012

ماعندي وقت

لو طلب منك رئيسك في العمل مهاما يستغرق إتمامها ساعة يومياً لمدة أسبوع لتمكنت من التصرف لخلق هذه الساعة مهما ازدحم يومك، لو تعرض قريبك لحادث لتمكنت من إيجاد الوقت لعيادته في المستشفى يومياً حتى يتعافى، لو أصبت بمرض يعالَج بالرياضة لوجدت الوقت لممارستها بانتظام.
 
ستتمكن من القيام بالأنشطة أعلاه مع حفاظك على مواعيد الصلوات، لن يخلو جدولك هذا من النوم والأكل وغير ذلك من الأساسيات، بل قد تتمكن من القيام ببعض الكماليات كالاطلاع على مواقع التواصل الاجتماعي، ستجد الوقت لاشتهاء قطعة حلوى من مقهى بعينه تشد رحالك إليه، وربما توقفت أثناء طريقك عند محل حلاقة لتغيير قَصة شعرك بلا مناسبة.
 
أحاول تفادي استخدام عبارة "ماعندي وقت" لأنني أسمعها من أكثر الناس تضييعاً للوقت ولا أكاد أسمعها من أكثرهم إنجازاً، رغم أن الوقت هو ذاته لدى الطرفين، لعل الترجمة النفسية لجملة "ماعندي وقت" هي "ليس لدي الدافع لإيجاد الوقت" أو "أتكاسل عن بذل الجهد لإتمام هذا الأمر".
 
كثيراً ما يُحَدث الإنسان نفسه بعبارات مثل: "الوقت ضيق"، و "لا بركة فيه"، وغير ذلك من القناعات التي نزرعها في مجتمعاتنا بترديدها بشكل مكثف لنبرر بها سوء إدارتنا للوقت، ونحن بذلك نجذب مزيداً من الانشغال المفتعل الذي لا إنجازات تذكر من ورائه، الانشغال الإيجابي يقاس بالأمور المنجزة لا بمجرد مرور الوقت، فالوقت مار لامحالة، يقول المخترع توماس أديسون "كونك مشغولاً لا يعني دائماً قيامك بعمل حقيقي".
 
التعذر بالانشغال لتبرير الخيارات الرديئة في الحياة أمر يقع فيه الجميع، قد ينشغل شخص عن السؤال بشكل أكبر عن المرأة التي يود الاقتران بها فيدفع ثمن انشغاله هذا عمراً من التعاسة وربما وجد متسعاً من الوقت فيما بعد للجوء إلى خدمات الاستشارات العائلية، كم من شخص وقع فريسة السمنة لادعائه الانشغال عن الرياضة، وكم أصيب أفراد بأمراض مزمنة لتعذرهم بالانشغال عن شراء الطعام الصحي واستبداله بالوجبات السريعة، رغم أنهم بعد أن يصابوا بالأمراض سيجدون للعلاج أو الرياضة وقتاً يومياً أطول مما قد تستغرقه الرياضة وإعداد الطعام الصحي على مدى السنوات السابقة.
 
يقول الكاتب الصيني لين يوتانغ "المشغول ليس حكيماً و الحكيم ليس مشغولاً" ، وإن لم تجد في نفسك الحكمة الفطرية لإدارة وقتك فبإمكانك اكتساب مهارات إدارة الوقت عن طريق الدورات أو الكتب وغير ذلك، سيكون من الطريف حقاً لو كان الرد على هذا الاقتراح : "ماعندي وقت".
 
الراية القطرية - الإثنين 24/12/2012 م

الاثنين، 17 ديسمبر 2012

شيء معين

حين كنت طفلة في بداية تعلمي للكلام كنت كعادة الصغار كثيرة البكاء، وعند احتدام بكائي يوماً سألني أبي بنفاد صبر: "هل هناك شيء معين تريدين الحصول عليه!؟" وذلك في محاولة يائسة لإسكاتي بلغة الكبار، فهدأت ورددت بالإيجاب، فتفاجأ وسألني مستبشراً "حسناً، ماهو؟!" قلت: "أريد.. مُعَيَّن".
 
وظلت هذه الحادثة مادة للضحك في العائلة حتى كبرت وعرفت أن بحثي عن المعين لم يتوقف يوماً، إلى أن وجدت بعضه في الكتابة عن النفس الإنسانية، فأصبحت بين أيديكم كل اثنين، ورغم تواضع كتاباتي لكنها بالنسبة لي حالة وجدانية تمنحني السلام الداخلي.
 
ذلك الشيء المعين هو ما يبحث عنه الجميع، وهو يختلف باختلاف اهتماماتهم، كل إنسان بحاجة إلى شغف لذيذ يشعل في داخله رغبة الحياة، قد يكون هذا الشيء المعين الذي تحتاجه متعلقاً بطموحك الأكاديمي وتعطشك الدائم للمعرفة، آخرون يبحثون عن شيء معين يحقق لهم أمانا ماديا كالتجارة، الشيء المعين هو شغف يشغل صاحبه ويشعره بالمتعة.
 
البعض استطاع اكتشاف ذلك الشغف وربما وجد وظيفة تتعلق به فأصبح شغفه مصدر رزقه مما جعله من السعداء، البعض الآخر وجده واكتفى به كهواية يخصص لها من وقته ويواجه بها ضغوطات الحياة، وهناك من الناس من تعددت اهتماماتهم فأصبحت حياتهم مزدحمة بالأحداث الممتعة.
 
على الجانب الآخر، هناك أفراد لم يجدوا بعد ذلك الشيء المعين الذي يسعدهم القيام به، وهناك من عاش ومات دون أن يجده، ما أتعس الحياة حين تعيشها بلا شيء يثير اهتمامك وتستمتع بالقيام به، إن غياب ذلك الشيء يعني غياب الرغبة المشتعلة في عروق الإنسان؛ التي تحرك كل جوارحه وتحقق له الإثارة التي تشعره أنه حي.
 
لكي تعرف الشغف الذي يناسبك عليك أن تبحر في رحلة لاستكشاف الذات، قد تكون محباً للحيوانات مثلاً فتبحث عن أنشطة متعلقة بهذا الشغف، وهناك من لديه شغف مساعدة الآخرين فيشغل وقته بالتطوع وتقديم الخدمات مما يمنحه السعادة، آخرون لديهم شغف متعلق بالصحة ويسعون لاكتساب المزيد من المعلومات للعيش بأسلوب حياة صحي أكثر، أياً كان الشغف الذي يحركك ومهما كان بسيطاً في نظر الآخرين؛ تمسّك به.
 
جريدة الراية القطرية - الإثنين  17/12/2012 م
 

الأحد، 9 ديسمبر 2012

الرياضة هي الحل

يقول الشاعر سعد علوش في مطلع قصيدته (ألعب حديد):
 
"ماهو علشان الجسم..
ولا علشان النسم..
عشان هالراس العنيد : ألعب حديد "
 
"..وأقول لا طاح الأرق مع العرق:
هل من مزيد؟ "
 
ومما تتحدّث عنه القصيدة دور المجهود الجسدي في حماية الإنسان من الآثار السلبيّة لضغوطات الحياة، أو في حمايته من نفسه في مواجهة الصراعات الداخليّة.
 
العرق هو الدموع التي يذرفها الجسد ليُخلّصنا من سموم الفكر أو تراكمات الماضي أو إحباطات الحاضر، العرق بكاء من نوع آخر؛ نوع صحي يُساعد في التنفيس عن الغضب وتفادي المزيد من الخسائر التي قد يتسبّب بها الإنسان لنفسه إن لم يجد مُتَنفّسًا آخر لتفريغ المشاعر السلبيّة.
 
للرياضة فوائد جمّة لست بصدد ذكرها الآن، أُركّز في هذا المقام على فائدتها النفسيّة، ومن خبرتي الشخصيّة المتواضعة في بداية مشواري مع الرياضة أنها تخلق في داخل الإنسان ضوءًا ما، تسارع ضربات القلب يجعل الروح مقاتلة ومتحفّزة لإنهاء كل مابَدَأَته على صُعد الحياة المختلفة، هذا عِوضًا عن مفعولها السحري في تعزيز الثقة بالنفس.
 
أكاد أجزم بوجود صلة بين لياقة الجسد وخشوع الروح، فحتى في وقت الحج أو العمرة حين يكون الإنسان أبعد ما يكون عن الدنيا وفي أطهر بقاع الأرض فإن الله يُريد منه القيام بمجهود بدني لن يتمكّن من القيام به دون مساعدة إلاّ إذا تمتّع بلياقة عالية كالطواف حول الكعبة سبع مرات تتضاعف مسافتها مع الازدحام، وكالسعي بين الصفا والمروة في سبع أشواط تتخللها هرولة.
 
وقد وردت أمثلة كثيرة عن الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم كمواظبتهم على قيام الليل الطويل وكمهاراتهم الحربية المُذهلة وغيرذلك ما يستدل منه- باستخدام كلمات هذا الزمان- على أجسامهم الرياضيّة ولياقتهم العالية.
 
ومن الأمثلة الغربية الحديثة سيدة أمريكا الأولى ميشيل أوباما التي تبدو على درجة عالية من الهدوء والبشاشة رغم أن النقّاد يُحاصرونها بالتنقيب عن عيوب في كل ما تفعله أو حتى ترتديه، هذا عوضًا عن حساسية وضعها السياسي، تحدّثت السيدة أوباما عن علاقتها بالرياضة قائلة: "الرياضة مهمّة حقًّا بالنسبة لي، إنها وصفة علاجيّة، فأنا كلما شعرت بالتوتّر أو القلق أو شعرت بأنني على وشك التعرّض لانهيار؛ أحضر جهاز الآيبود الخاص بي وأتوجّه فورًا إلى الصالة الرياضيّة، أو أركب دراجتي في جولة بمحاذاة بحيرة ميشيغين مع البنات".
 
أرى أن الشخص الذي لا يستطيع من إلزام نفسه بممارسة أي مجهود هو شخص في الحقيقة أمامه مشوار طويل من تدريب الإرادة وتهذيب الذات، يقول جاك لالين Jack LaLanne خبير اللياقة البدنية الشهير: "أنا أُمارس الرياضة كعلاج، كشيء يُبقيني حيًّا، كل منّا يحتاج لبعض التأديب، وأنا أُؤدب نفسي بالرياضة".
 
جريدة الراية القطرية - الإثنين 10/12/2012 م
 

الأحد، 2 ديسمبر 2012

اترك مسافة

نحن لا نتحكم بمزاج سائق السيارة التي أمامنا إن أراد التوقف فجأة، فإن لم نترك بيننا وبينه مسافة يكون اللوم علينا عند الاصطدام، لا تتوقع من الآخرين أن يقوموا بأدوارهم على أكمل وجه، أنت لست مسؤولاً عن أخطائك فحسب وإنما عليك كذلك حماية نفسك من أخطائهم، فأنت الشخص الوحيد القادر على توفير البيئة الآمنة لذاتك.
 
بشكل أو بآخر نحن شاركناهم ما ارتكبوه في حقنا، لن أسألك عن الصديق هجرك ولكن أسألك لماذا لا يوجد في حياتك مصدر آخر للفرح، لن أسألك عن الحبيب الذي آذاك ولكن أسألك من الذي فتح له الباب وسمح له أن يلعب بك، لن أسألك عن الابن الذي خذلك ولكن أسألك لماذا رفعت سقف توقعاتك عالياً.
 
أتجنب الإشفاق على من يشتكي من أخطاء الآخرين في حقه وإن كان ذلك الشخص هو أنا، لأن الحياة أعطتني من الدروس ما جعلني أرى في لوم الآخرين ضعفاً ومضيعة عمر، لا أتحدث هنا عن الظلم الصارخ في حق من لاحول لهم ولا قوة، بل أرى في الاستهانة بذلك قسوة ولا إنسانية، ولكن أتحدث عما كان بالإمكان تفاديه، أتحدث عن الفرص التي منحناها لهم ليُمعنوا في إيذائنا أكثر، أتحدث عن الباب الذي فتحناه بأيدينا ليدخلوا منه سكاكينهم، إنه المنطق الذي يحتم عليك حماية نفسك ويذكرك مراراً وتكراراً أن لا تثق بأحد، وكما يقال: حتى ظلك يتخلى عنك في الأماكن المظلمة.
 
ولأترك التشبيهات جانباً، فأنا أتحدث تحديداً عن زميل العمل الذي كشفت أمامه نقاط ضعفك ليستخدمها ضدك في أول اجتماع، أتحدث عن الحساب البنكي المشترك مع زوج يستخدمه في شراء هدايا للصديقات، أتحدث عن الزوجة التي كشفت عيوب أهلها أمام زوجها ليعيّرها بهم عند أول خلاف، أتحدث عن الغباء، عن السذاجة، عن الإهمال، سمها ما أردت، فأنا وأنت نعرفها جيداً.
 
لابد أن يترك كل إنسان مسافة من المنطق تمنحه الأمان وتحول بينه وبين أذى الآخرين له أو حتى أذاه هو لنفسه، علمتني أمي وأنا صغيرة أن أفكر جيداً قبل القيام بأي تصرف كي لا أندم، الأمر حقاً بهذه البساطة، التفكير بروية هو مسافة المنطق التي ينبغي أن تحول بيننا وبين أخطائنا أو أخطائهم في حقنا، أترك مسافة من المنطق بينك وبين كل شيء، بينك وبين أعدائك وزملائك وأصدقائك وحتى أقرب الناس إليك، والأهم من ذلك: أترك مسافة من المنطق بينك وبين قلبك.
 
 
جريدة الراية القطرية - الإثنين 3/12/2012 م