الأحد، 25 نوفمبر 2012

هل ستندم؟

سُئِل أحد المشاهير: لو استطعت الرجوع بالزمن إلى الوراء ما الذي ستُغيِّره في حياتك؟ فأجاب بلا تردد: لن أغيِّر شيئًا، فأنا لم أندم على أي تصرّف قمت به، كل موقف مرّ بي ساهم في إيصالي إلى ما أنا عليه اليوم من نجاح.
 
أتفق معه في بعض ما قال، حيث إن كل ما نمرّ به يتحوّل مع الوقت إلى خبرات نستفيد منها، ولكني أرى أن من الغريب ألا نندم على أخطائنا البشرية، فالندم جزءٌ من التجربة لا ينبغي أن نلغيه، كيف لا نندم على أخطائها ونحن من يدفع ثمنها من أعمارنا؟
 
كما أن من لا يندم هو في الحقيقة شخص يترفّع عن ضعفه البشري، ولن يسعى فيما بعد إلى تعويض نفسه أو من حوله على تقصيره معهم أبدًا، فالندم قد يكون المحرّك الأقوى للعطاء نحو من قلّ عطاؤنا نحوهم بعذر الانشغال وغيره.
 
وتساءلت، لو عاد بي الزمن إلى الوراء أي أمور كنت سأغيّرها؟ فتذكرت الكثير، تذكرت مركز تحفيظ القرآن الذي انسحبت منه بفشل ذريع، ولو أني قاومت و لم أستسلم لضعف ذاكرتي فبذلت المزيد من الجهد لأعانني الله، ولربما كنت الآن من حفظة كتابه الكريم، وتذكرت جدي وجدتي رحمهما الله، وددت لو قضيت معهما مزيدًا من الوقت والتقطت لهما مقاطع الفيديو التي توفّر الصوت والحركة اللذين لا توفرهما الصور الفوتوغرافية التي ألمسها وأنا أتقطع شوقًا إلى سماع صوت أصحابها ورؤيتهم يتحرّكون.
 
الندم يأتي بعد أن نقوم بالفعل، بمعنى أننا قد لا نكون مُدركين لفداحة عواقبه أثناء القيام به، لأننا نأخذ الحياة وكأننا قد ضمناها في الجيب، رغم أنها قد تتبدّل أو تفلت من أيدينا في أي لحظة، يا تُرى لو كنت تعيش الآن في المستقبل، وتنظر إلى الوراء لترى وضعك اليوم، أي أمور كنت ستندم عليها مما تقوم به الآن؟
 
هل ستندم على الوقت الذي استنزفته على عملك أو أصدقائك في الوقت الذي كان فيه والداك أصحاء (أو أحياء) يتمنيان سويعات تقضيها معهما؟ هل ستندم على الشهادة الجامعية التي خسرتها لأنك اليوم مستسلم للنعاس وقت المحاضرات أو لصعوبة المواد وتوشك على ترك الدراسة؟ هل ستندم على تغذية سيئة اليوم ربما تتسبّب لك بأمراض مزمنة في المستقبل؟ هل ستندم على طفولة أبنائك التي مرّت سريعًا دون أن تقضي المزيد من الوقت في اللعب معهم واصطحابهم للأماكن الترفيهية؟
 
علام ستندم؟ وهل لديك الوقت الكافي لتدارك الأمر؟ الانشغال بتفادي ندم الغد على أخطاء اليوم هو برأيي أهم من الانشغال بندم اليوم على أخطاء الأمس.
 
جريدة الراية القطرية - الاثنين 26/11/2012 م
 

الأحد، 18 نوفمبر 2012

ألم تبن البيوت إلا على الحب؟

عاتب سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً أراد أن يطلق زوجته لأنه لا يحبها فقال له "ويحك! ألم تبن البيوت إلا على الحب؟"، على الجانب الآخر فإن الكثيرين يرون أن الحب..تلك المشاعر المرتبطة بكيمياء الجسم.. تلك الأحاسيس التي ينبض بها قلب متقلب وتسيرها روح ليست ملكاً لصاحبها: هو وحده المسؤول عن نجاح العلاقة من عدمه، رغم أن في الأمر مخاطرة كبيرة إذ ليس ثمة بوليصة تأمين على المشاعر.
 
إن عدم وجود الحب لا يعني الكره بالضرورة، الاحترام والثقة أمران قد يغنيان عن الحب بل يفوقانه أهمية وربما دخلا ضده في معركة يفوزان فيها بجدارة فتفشل العلاقة التي لم ينجحها الحب، ثم إن نوع الحب نفسه قد يكون سبباً في إفشال العلاقة، فليس كل حب جميلاً، هناك أنواع مشوهة من الحب تدفع بصاحبها إلى الشقاء وقصور التفكير، فكم من امرأة عشقت زوجها حتى وصلت لدرجة الغيرة الهوجاء والشك والحساسية الشديدة لأي موقف، فنفرته منها وجعلته يكره حبها له، وفي هذه الحالة عدم كفاية الحب ليست سبب إفشال العلاقة، وإنما نوع الحب هو مازعزع أركان ذلك البيت، والأمر ذاته ينطبق على الأزواج ممن وصل حبه لزوجته لدرجة التملك والشك فحرمها من كل ماسواه حتى كرهت الزواج وفقدت طعم السعادة.
 
وددت لو أن الحب هو تلك العصا السحرية التي تحل كل المشاكل، ولكن الواقع أمامي يقول إن القيم المثالية كالحب والطيبة والوضوح ليست ما ينجح العلاقة، وإنما الصفات العملية كالذكاء والحكمة والصبر والاستقلال العاطفي وغير ذلك من صفات السعداء الناجحين في علاقاتهم، تلك الصفات التي إن تمتع بها الشخص فإنه سيستطيع معالجة كل طارئ بتجرد من أحكام القلب التي كثيراً ما تكون مشوشة وغير حيادية.
 
يقال إن عمر الحب العنيف قصير، مما يؤكد على أن الحب -مهما غرتك قوته- ليس غير كاف فحسب؛ وإنما زواله وارد جداً ، المشاعر القوية الهائجة أكبر من أن تستمر، فالحب المجنون مثله مثل الكره المجنون، أكثر شدة من أن يستمر، لا تحتمله أرواحنا، وهو أولى من غيره بالفتور والاضمحلال، فلا يغرنك الحب واجعل لك في كل أمورك خط رجعة، لا تضحّ من أجل الحب بخطوط الرجعة التي أراها صمّامات أمان يصعب تعويضها كالشهادة أو الوظيفة أو علاقتك بأهلك وغير ذلك من الأمور التي تعد مضمونة أكثر من الحب ذاته، رغم أن لا شيء في هذه الحياة مضمون بنسبة 100%.
 
أوردت الكاتبة الأمريكية شون سولفو ضمن سيناريو فيلم (ماجدولين الكابتن كوروللي) المبني على الرواية الإنجليزية بذات العنوان لقصة حب تدور أحداثها وقت الحرب العالمية الثانية؛ بأنك عندما تقع في الحب، فإنه جنون مؤقت، يهجم كزلزال، وبعد ذلك يهدأ، وعليك بعد أن يهدأ أن تتخذ القرار، إما أن تجتهد في معرفة ما إذا كانت جذوركما قد أصبحت متصلة ببعضها لدرجة أنه من المستبعد أن تفترقا في يوم ما، وذلك أن هذا هو الحب.. الحب ليس حالة تسارع الأنفاس، إنه ليس تلك الإثارة، ولا تلك الرغبة الشديدة في لقاء ذلك الشخص في كل ثانية من اليوم، تلك الأمور ليست الحب وإنما هي حالة "الوقوع" في الحب ؛ الأمر الذي يستطيع أي منا إقناع نفسه بالشعور به، الحب نفسه هو بقايا تلك الحالة بعد أن تخمد نار الوقوع في الحب، لا يبدو الأمر مثيراً لتلك الدرجة، أليس كذلك؟ ولكنه كذلك.
 
هي دعوة لحقن العلاقات بجرعات من العقلانية التي لن تقلل من الرومانسية وإنما ستقلل من أضرار الاندفاع الأهوج خلف مشاعر قد تكون مؤقتة.
 
جريدة الراية القطرية -  الاثنين 19/11/2012 م

الأحد، 4 نوفمبر 2012

الغرق في الروتين

وضع رأسه على الوسادة وبدأ يسترجع ما مر به في يومه، فوجده مثل أمسه، ثم فكّر في غده، فغلب على ظنه أنه مثل يومه وأمسه، الأحداث مكررة ولا جديد، لا إثارة تذكر، لا مشاعر قوية، يتحرك كروبوت، لا تعابير في ملامحه، يذهب إلى العمل ليجد الوضع على حاله، تحية الصباح لديه أن يهمس بحرف سين طويل يرد عليه الآخرون بسين أخرى، يدخل إلى مكتبه وينتظر مرور الوقت ليعود للمنزل ويستكمل سلسلة التصرفات الروتينية.
 
لفت انتباهي مقطع من الفيلم الأمريكي sleepless in Seattle يمثل فيه توم هانكس دور رجل مكتئب ترمّل حديثاً ويحاول أن يخدّر بالروتين مشاعر الألم لفقدان زوجته فيقول: "سأنهض من سريري كل صباح لأتنفس شهيقاً وزفيراً طوال اليوم، ثم بعد فترة لن أضطر لتذكير نفسي بالنهوض من السرير كل صباح لأتنفس شهيقاً وزفيراً، ثم بعد فترة لن أجد نفسي أفكّر كيف أنني كنت أعيش حياة مثالية ورائعة في السابق"، فكما أننا نتنفس بشكل لاإرادي، فكذلك الأحداث المكررة الأخرى في حياتنا تصبح لاإرادية مع مرور الوقت كوظائف الجسم الحيوية، وما إن يدخل التصرّف في حيز الروتين نفقد القدرة الحقيقية على الاستمتاع به وتقديره، ثم بعد مدة ربما تطغى الرتابة على أنفسنا فنعجز عن الاستمتاع بالحياة وتقديرها لأننا أصبحنا حبيسي أنماط محدودة من التصرفات.
 
أن تمل من الروتين أخطر من أن تعلق فيه فلا تكاد تتعرف على حياتك دونه، الروتين لدى البعض هو الحصن الذي يجعل الأمور تبدو ظاهرياً على درجة عالية من التنظيم والاستقرار، بينما قد يكون الشخص في واقع الأمر هارباً من مواجهة واقع مؤلم و سجيناً لتصرفاته اليومية المكررة ومهدداً بالاكتئاب في أي لحظة، الحياة بلا مشاكل ليست سعيدة بالضرورة، قد تكون حياة لا حياة فيها، لاجديد فيها، لا إبداع فيها، لاإنجاز فيها.
 
المحافظة على مواعيد النوم والاستيقاظ وتناول الوجبات أمر إيجابي، ولكننا نحتاج قليلاً من التغيير في تفاصيل تلك الأحداث،كما في ديننا عبادات دائمة لا ينبغي التفريط فيها ولا يمكن تصنيفها ضمن الأمور الروتينية ؛ إلا أن الروتين يزحف إلى كل شيء دون أن نشعر، ففي الصلاة مثلاً قد نعتاد قراءة سور معينة بشكل آلي لدرجة أن لا نعي حرفاً مما قرأنا مهما حسن ترتيلنا، فما الحل؟
 
لاتستسلم للروتين، امنح نفسك قليلاً من الوقت لدراسة ماتمر به بجدية، فأنت أدرى بحقيقة وضعك، وأنت الوحيد القادر على انتشال ذاتك من متشابه الأيام، حتى لو لجأت إلى مختص أو طلبت نصيحة صديق؛ فإن قرار الاستعانة بالآخرين كان مصدره ذاتك، نحتاج أحياناً أن نرغم أنفسنا على فعل مافيه خير لنا وإن لم نمتلك مايكفي من الرغبة أو الطاقة، فصوت الحكمة موجود وإن طغا عليه صوت الخمول أو الحزن، وبقليل من الإنصات ستتمكن من الاستماع لصوتك الداخلي الجميل الذي يخبرك بما عليك فعله حقاً، قد يذكّرك بهواية هجرتها، أو ربما اقترح عليك أن تسافر مكان ما، ربما يدفعك إلى تجربة أمور جديدة لتختار منها مايناسبك فيما بعد، لعل الوقت قد آن لتغيير وظيفتك، وربما عليك التفكير في توديع العزوبية مثلاً.
 
جريدة الراية - الاثنين 5/11/2012 م

الاثنين، 22 أكتوبر 2012

بين ضحكات الأمس ودموع اليوم

يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
وَلاَ تَجْزَعْ فإِنْ أَعْسَرْتَ يوماً
             فقد أيسرت في الزمن الطويل
في البيت أعلاه إشارة إلى أن مصائب الحاضر لا تعني أننا لم نعش لحظات رائعة في السابق، فدموع اليوم لا تمحو ضحكات الأمس، ورصيد المشاعر الجميلة لا ينضب بل نستخرجه من داخلنا كلما عصفت بنا الحياة، برأيي لا توجد حياة سعيدة ولكن توجد حياة بها لحظات سعيدة مررنا بها ونسترجعها كلما افتقدناها.
وهذا نبي الله أيوب عليه السلام بعد أن عاش سبعين عاماً في صحة ومال وأبناء ومكانة اجتماعية عالية، ابتلي بالمرض الشديد وفقد كل أبنائه وابتعد عنه الجميع إلا زوجته، فلما طال عليه المرض قالت له: يا أيوب، لو دعوت ربك لفرج عنك، فقال لها عليه السلام: لقد عشت سبعين سنة صحيحاً، فهل كثير أن أصبر سبعين سنة ؟!.
إن من سوء الأدب مع الله أن نجزع إن حَرمَنا من أمر كان قد مَتعنا به زمناً قبل ذلك، نبي الله موسى عليه السلام خرج من بلده شريداً حيث ائتمر القوم ليقتلوه، ثم بعد أن أبت المروءة إلا أن يسقي للفتاتين اللتين أرادتا من الماء الذي اجتمع عليه الرجال، وبعد أن انهكه التعب من ذلك المجهود، لجأ للراحة في الظل، ليجد نفسه غريباً في بلد لا يعرف فيه إلا الله، طريداً بعد أن كان ذا مكانة ومال، لا يملك من الدنيا إلا ما جادت به الدنيا عليه كهذا الظل في يوم شديد الحرارة.
وعلى تلك الحال ناجى نبي الله موسى عليه السلام الجبار بدعوة يتجلى فيها أدب العبد مع خالقه، جملة جعلها الله سبباً لتعود له الفتاتان من أبيهما فتخبرانه أن الأب يريد أن يكافئه على صنيعه، ثم انتهى به المطاف أن تزوج إحداهما وحصل على عمل مع ذلك الرجل الصالح، أتاه ذلك الخير بعد أن دعا بتلك الدعوة العظيمة:"رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير" فكأنه يقول يا رب إنك قد منحتني في الماضي أموراً أشتاق لها الآن، لم ينس ما مر به من مريح الأيام، لم ينكر فضل الله عليه.
أما ما ذكرني ببيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقصتي أيوب وموسى عليهما السلام، فهو تدبري في كلمات القصيدة الشهيرة "المعاناة" لقائلها الأمير الشاعر خالد الفيصل وبالأخص البيتان:
ولاني بندمان على كل ما فات
                 أخذت من حلو الزمان ورديّه
هذي حياتي عشتها كيف ماجات
                    آخذ من أيامي وأرد العطية
ورغم أن القصيدة مغناة قد ينشغل سامعها بألحانها عن معانيها كحال الكثيرين، إلا أن في التفكير في معانيها كنوزاً من الحكمة التي هي ضالة المؤمن أنى وجدها كان أولى الناس بها.
جريدة الراية - الإثنين 22/10/2012

الأحد، 14 أكتوبر 2012

لا تؤجل ألم اليوم إلى الغد

إن تأجيل ألم اليوم إلى الغد يجعل الآلام تتكالب علينا من الداخل لتتسرّب بعد أن يطفح الكيل إلى الخارج في صور اضطرابات نفسيّة كان من الممكن تفاديها، ورغم أنها أتت تدريجيًّا إلاّ أنها تُفاجئ مَنْ حولنا وربّما فُوجئنا نحن بها كصدمة ظهر البعير بالقشّة رغم إدراك حقيقة تحميله ما لا يطيق.

 

كلّما تهرّب الإنسان من مواجهة مشاكله حفرت تلك المشاكل وجودها حفرًا أعمق في روحه، قد يظلّ أثرها وإن انتهت لأنّها لم تُعالج في السابق، ويُمكن قياس الأمر ببعد آخرعلى الحساب الأخروي لمن لم يتب في الدنيا وإن توقف عن ذنبه، كمن ترك التدخين لأن صحّته لم تعد تسمح له بذلك لا لحرمة الأمر، يظنّ بعدها أن أمر التدخين قد انتهى ثم يُفاجأ به في صحيفته فيُحاسب عليه لأنه لم يتب وإن توقف، وكذلك مشاكلنا الدنيويّة لا تنتهي بانتهاء مددها الزمنيّة إن لم نُقرّر مواجهتها على الأقل بالاعتراف بها كخطوة أولى.

 

ومن نواتج الآلام المُهملة الاكتئاب فهو لا يدخل بالضرورة من الباب، قد يتسلل من أسفله، وربّما دخل عبر فتحات التهوية كحبيبات غبار بريئة لا تلبث أن تصير ماردًا مُهابًا، الحزن التدريجي أشدّ على النفس مما أتى بين عشيّة وضحاها، فالأمور العارضة التي لم يتم التعامل معها بالشكل المطلوب يُحكم عليها بالتأبيد في داخل الإنسان فتظلّ حبيسة الأضلع وتستقبل باستمرار ضيوفًا من الهموم المستجدّة فتتعارف الأوجاع فيما بينها وتتكاتف مكوّنة جيشًا في الصدر يرفض الاستكانة والخضوع، وربّما رفض الإنسان الاعتراف بفداحة ذلك الضيق أو علاجه، يُذكّرني بهذا الحزن وصف أدوم أنواع الحب من كتاب "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي في قوله: ".. وهذا الذي يُوشك أن يدوم ويثبت ولا يحيك فيه مر الليالي فما دخل عسيرًا لم يخرج يسيرًا".

 

الحزن بئر لا قرار لها، لا سيّارة حوله ولا وارد يُدلي دلوه، إن لم تصعد بنفسك فستستمرّ بالانحدار، وكلّما تأخّرت في الصعود تأخّرت في الوصول، السرّ أن تُرغم نفسك على التخلّص مما أنت فيه بأي شكل وإن لم تجد في نفسك الرغبة أو الطاقة لبذل المجهود اللازم، فقط استجب لفطرة المقاومة في داخلك وإن بدا الأمر آليًا ومصطنعًا، استيقظ كل صباح ومارس حياتك بشكل طبيعي حتى لو اضطررت إلى التدرّب أمام المرآة لرسم ابتسامة صغيرة، ارسم الابتسامة على وجوه الآخرين لعلّ بعضًا من توهّجها ينعكس على روحك، قُمْ بكل شيء وأي شيء، افعل ما يفعله السعداء، أو على الأقل حاول، تذكّر أنك تُحاول من أجل شخص ليس له سواك ومن الظلم أن تكون أنت والظروف عليه، شخص يستحقّ المحاولة، أنت.

 

*عنوان المقال من تغريدة للشاعر الفاضل سعد علوش

 

جريدة الراية - الإثنين /10/2012 م

http://raya.com/writers/pages/55ff2c7e-db08-4292-b9af-7be9cfb032aa

 

الأحد، 7 أكتوبر 2012

كي لاتخذلك الذاكرة

 
 
 
 
حين تخذلك الذاكرة.. ترتفع قيمة كل صورة فوتوغرافيّة التُقطت لك يومًا، لتلمسها بيدك وتتصفّح معالمها بعينيك لترى ما كان قبل أن يتغيّر وتتغيّر، لا تستصغر ما يُمكن أن تتعلّمه من شخصك القديم
 
- حين تخذلك الذاكرة.. تزداد أهميّة ذلك الصديق القديم، الذي يتذكّر أمورًا قد نسيتها، يُخبرك كيف كنت، لتُقارن بين نفسك التي عرفها ونفسك اليوم.
 
- حين تخذلك الذاكرة.. تحتاج رشّة واحدة من عطر قديم، أو ربّما نفحة من رائحة حنّاء أو حتى حطب محترق، ليعود بك إلى تفاصيل زمان مضى كنت فيه وساهم في تشكيل شخصيّتك اليوم، رغم أنك نسيته.
 
- حين تخذلك الذاكرة.. تنتشلك من خذلانها أغانٍ أو أهازيج بصوت مغنٍّ ما، أو ربّما بصوت أمٍّ تُهدهدك صغيرًا كي تنام، الصوت وحده يعود بك إلى دفء ذلك المكان وخصوصيّته.
 
- حين تخذلك الذاكرة.. تختنق العبرات مع ابتلاع لقمة لطبق سبق أن أكلت منه في فترة زمنيّة ماضية، وربّما كان هناك شخص يُشاركك تلك الوجبة، تعود بك حاسّة التذوّق إلى ذلك الزمن، وذلك الشخص.
 
حين تخذلك الذاكرة.. سيصعب عليك التعرّف على نفسك التي قد تكون أضعت بعض ملامحها في زحمة الحياة الحديثة؛ التي لا تعترف بالماضي الثمين.
 
حتى ذكرياتنا المُؤلمة نحتاج أن نسترجعها قليلاً، الألم الذي تخطّيناه دافع كبير لنستكمل درب الحياة ونحن أقوى وأكثر حكمة، من عانى من قسوة أبيه يستطيع أن يُحوّل ذلك الحرمان إلى طاقة حنان قصوى يمنحها لأبنائه ليكون هو بالنسبة لهم الأب الذي كان يتمنّى أن يحصل عليه يومًا.
 
وكي لا تخذلك الذاكرة مجدّدًا، إبدأ ببناء واقع رائع تتذكّره ويتذكّره أبناؤك فيما بعد، لا تجعل الصور حبيسة الأجهزة التي تتغيّر وتتعطّل، اطبعها لتُصبح ورقيّة تلمسها الأيدي وتُتوّجها البراويز وتحتضنها الجدران، التقط لهم صورًا عفويّة فحياتهم اليوميّة هي ما يودّون تذكّره حقًّا بعد ذلك.
 
احتفل بشقاوة الطفولة ولا تتذمّر من نعمة وجودها، لا تُصوّرهم مقيّدين بملابس الماركات وإنما صوّرهم بملابس اللعب المتسخة بوحل الحديقة قبل أن تتسخ النفوس بوحل الدنيا، لا تُصوّرهم مبتسمين للكاميرا وإنما صوّرهم مبتسمين لبعضهم قبل أن يدخل الشيطان بينهم كبارًا فيُنسيهم كيف كانوا متلاحمين صغارًا، احتفظ بأشيائهم القديمة وامنحهم الحبّ الذي يُترجمه تتويجك لكل معالم إنجازاتهم الصغيرة.
 
إبدأ ببناء تقاليد خاصّة بك وبمن حولك وإن كان الأمر ببساطة وجبة طعام معيّنة أسبوعيّة بعد كل صلاة جمعة مثلاً، الأفكار كثيرة لبناء قاعدة بيانات ضخمة من الذكريات، أنا أرى أن بإمكاننا أن نتعمّد صنع ذكرياتهم قبل أن يُصبح لكل منهم بيته وحياته مما قد يُنسيهم ماضيًا جميلاً يدفعهم لبناء مستقبل أجمل لمن حولهم.
 
جريدة الراية - الإثنين 8/10/2012 م

الأحد، 30 سبتمبر 2012

أمثال لا أؤمن بها

رغم اقتناعي أن صوت التجربة يعلو على صوت العلم، إلا أني لا أتفق مع بعض ما ورثناه من تجارب البشريّة في بعض المقولات التي قد تكون مضللة، ومنها على سبيل المثال:
 
- الظفر لا يطلع من اللحم: ويُقصد بهذه المقولة أن عرى القرابة ثابتة أبدًا، أمّا من الناحية الحرفيّة فالظفر قد ينفصل عن اللحم لأسباب مختلفة كمرض يُصيبه أو حادث ما، وأمّا من الناحية الرمزيّة فكم من صديق ارتبط بصديقه رباطًا أقوى من رباط الدم، وكم من إخوة افترقوا لأسباب دنيويّة مهينة، بل إن القرآن الكريم بيّن في قصة نوح عليه السلام أن ابنه ليس من أهله المبشّرين بالنجاة حيث فرّق الكفر بينهما فقال ربنا سبحانه في سورة هود - آية 46: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ..).
 
- الرجل لا يعيبه إلا جيبه: في هذه المقولة اعتداء صارخ على الرجولة الحقّة باختزال ما يعيبها في حالة الرجل المادّية ودحض كل ماعدا ذلك من عيوب حقيقيّة في أخلاق الشخص، وفي هذا السياق أُشير إلى أن الاستثمار الحقيقي إنما هو في الإنسان الذي قد يستطيع فيما بعد اكتساب المال بينما لن تستطيع كل أموال العالم أن تمنح شخصًا ما إنسانية لا يتمتع بها من الأساس.
 
- يد واحدة لا تُصفّق: تُقلل هذه المقولة من الفعالية الفرديّة في تحقيق التغيير وتُلمّح إلى أن الإنسان ما لم يحظ بدعم ومساعدة فلن يستطيع الإنجاز، وهذا غير صحيح فكم من البيوت بُنيت على شخص واحد بينما غرق شريك الحياة الآخر في عالمه المنفصل عن الواقع، سمعت الكثير عن أمهات نجحن في تعويد أبنائهن على صلاة الجماعة وإيصالهم للمسجد يوميًّا في الوقت الذي يغطّ فيه الأب في نوم أو سكر عميقين، نعم قد لا تستطيع اليد الواحدة التصفيق حرفيًّا؛ ولكنها تستطيع التطبيل بصوت يفوق دويّه عشرات المُصفّقين.
 
- لا يُوجد دخان من غير نار: تفترض هذه المقولة وجود أساس من الصحة لكل الافتراءات التي يُصدرها الناس في حق بعضهم بعضًا، وعليه فإنها تُساهم في تشويه سمعة الكثيرين بشكل غير مباشر؛ فهي تدعو إلى تصديق ما يُقال في حق الأبرياء مما يدعو لنشر الأكاذيب بدل الترفّع عنها، الدخان حرفيًّا قد يتكوّن بلا نار لتفاعلات كيميائيّة وغيرها، وكذلك الإشاعات قد تكون مفبركة بنسبة تتجاوز الـ 100% فالعقل البشري لا يحتاج الحقائق لينسج الدسائس وإنما لديه الخيال الكافي لاختلاق الأكاذيب من الصفر.
 
- الطريق إلى قلب الرجل معدته: هذا القول قد تكون به نسبة بسيطة من الصحّة ولكنه أغفل الدور الحيوي للروحانيات واختزل الطريق إلى قلب الرجل بشهوة الطعام وهي نزعة بدائية وسطحيّة للغاية، وكأن الإنسان يعيش ليأكل ولا يحتاج غير ذلك من الدعم المعنوي والتواصل الروحي الذي لا علاقة تُذكر بينه وبين لفائف السمبوسة.
 
ختامًا، على الإنسان أن يحتكم إلى فهمه الخاص في كل ما يتلقاه من "بديهيات"، فعقله قادر على غربلة نواتج التجارب الإنسانية بل والإتيان بمثلها وبما هو خير منها ليُورثه للقادم من الأجيال.
 
 
حديث الإثنين - جريدة الراية  1/10/2012 م