الأحد، 18 مارس 2012

هكذا تنتحر


هناك طرق كثيرة ومجربة كي ينهي الإنسان حياته، الغالبية من البشر يختارون الطرق التي يطول زمنها ويقل ألمها، والبعض في مجتمعات أخرى يلجأون لطرق أكثر صرامة فينهون حياتهم في الحال، أتحدث هنا عن الطرق التي يستخدمها أفراد مجتمعي المسلم المحافظ، ليعذرني من انزعج من فظاظتي ولكني أردت اليوم أن أسمي الأمور بمسمياتها ولم أجد وصفاً ملائماً أكثر من الانتحار، صحيح أنك لن تموت إلا في يومك،ولكن بيدك أحياناً أن لاتكون متسبباً في موتك، بيدك أن لاتجعل حزنهم في عزائك مختلطاً بعتب دفين ولوم غاضب، وربما شعروا أنهم قد قصّروا في توعيتك، هذا الشعور لوحده موت آخر، فلاتعرضهم لذلك.

-إن كنت تمارس قيادة السيارة بلامبالاة، فتسرع أو تتسابق، وتتفنن في إرسال اللطائف والطرائف عبر الواتساب و البلاكبيري وغيرهما.. فأنت تنتحر!

-إن كنت قد استسلمت لزيادة الوزن، ولم تسمح لأحبتك أن ينتشلوك مما أنت فيه، فأمعنت أكثر في إيذاء صحتك، وأرغمتهم على متابعة حالتك بقلق وأنت تكبر حجماً أمام أعينهم، وسقطت فريسة أمراض القلب وغيرها.. فأنت تنتحر!

-إن انغمست في التدخين، وتعالى صوت سعالك الذي يقطع أفئدة أحبتك، وبدأت شفتيك في التلوّن البغيض، وربما تسلل المرض إلى رئتيك.. فأنت تنتحر!

-إن كنت مصاباً بمرض مزمن كالسكري وغيره، وتهاونت في أخذ الدواء واتباع إرشادات الطبيب، ولم تبال بكل توسلات أحبتك.. فأنت تنتحر!

هذا عوضاً عن الأسباب الأخرى النفسية التي لاتقل خطورة عن ماسبق كالتعايش المرير مع شريك حياة سيئ يترك شريكه فريسة للأمراض النفسية والعضوية حتى يمتص آخر قطرة حياة منه، وكالاستسلام للاكتئاب وغيره دون بذل مجهود جدي للعلاج.

إلى كل المنتحرين الأحياء، لا أشفق عليكم بقدر ما أغضب منكم، من منحكم حق حرق قلوب الأمهات والآباء؟ من أجاز لكم التهاون في حياة يشارككم فيها آخرون؟ كيف هان عليكم الاستسلام للوضع أمام توسلات الأحبة والانغماس أكثر في إيذاء النفس وتعريضها لمختلف المخاطر والشرور؟

يؤلمني حال الأم التي ينتفض قلبها مع كل صوت سيارة إسعاف لأنها تعلم أن فلذة كبدها سائق متهور، فتسارع بالاتصال به مع كل صفارة انذار، ولايهدأ فؤادها إلا إن سمعت صوته وتأكدت أن سيارة الإسعاف لم تكن في طريقها إلى جثته، أما إن لم يرد على الاتصال (لأي سبب كان) فهذا هو الرعب بعينه.

يؤلمني حال الابن الذي يقضي الساعات ليبحث عبر الانترنت عن وسائل ينقذ بها أبيه من إدمان التدخين، ويضطرب فؤاده مع كل صورة مرعبة تظهر أثناء بحثه لمدخنين أصيبوا بأمراض مميتة، فيطبع الصور ويحاول بلا طائل إنقاذ أبيه من هذا الوضع، وربما ذهب إلى الصيدلية بما لديه من مصروف ليشتري لأبيه هدية كعلكة نيكوتين أو ملصقٍ ما!

من المخجل أن نتابع أخبار استشهاد الأبطال عبر شاشات الأخبار، بينما تحصد الممارسات اللامبالية أرواح أبنائنا ولانبذل جهداً إعلامياً كافياً لتوعيتهم بقيمة حياتهم الغالية علينا وعلى الوطن.

"إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت.. إنها قضية الباقين!" غسان كنفاني.

جريدة الراية-الإثنين19/3/2012

الأحد، 11 مارس 2012

هل تقدّر الناس؟

يقول أنيس منصور "ما دمت لاتقدّر أحداً فكيف تغضب لأن أحداً لايقدرك؟" ، ذكرتني مقولته بالمواقف التي كِلتُ فيها بمكيالين فطالبت بتقديرٍ ما في الوقت الذي قصّرت فيه في تقدير أمرٍ آخر، حقاً إن العين التي تلاحظ جهود الآخرين هي وحدها من تستحق أن يلاحظها الآخرون، وليست العين الأنانية التي لا ترى إلا صاحبها وتعيش وهم أنه محور الكون.

كيف هان على إحداهن أن تعود من دعوة عشاءٍ أوحفلةٍ ما فتنتقد مذاق أحد الأطباق أوتسخر من أمرٍ ما كأثاث المنزل أوملابس صاحبته، ألم يدر ببال الزائرة كم استنزفت صاحبة الدعوة من الوقت والجهد للتجهيز لتلك المناسبة بكل تفاصيلها من إعداد للطعام وتهيئة للمكان، وكم وقفت أمام المرآة لتختار ما سترتديه بعناية، هي جهودٌ بُذِلت ثم هُمِّشت بدم بارد، مهما اختلفت الأذواق فالتعب المبذول جهدٌ يستحق الإشادة أوحتى الإشارة ، وعلى أقل تقدير يستحق أن نمتنع عن التعليق إن كنّا لا بد سنتحدث عنه بسوء، مع العلم أن تلك التعليقات السلبية قد تدخل ضمن الغيبة وتنم عن حالة متقدّمة من قلة الذوق.

وفي موقف آخر قالت لي إحداهن: "هل تصدّقين أن خادمتي قد نظفت الحائط الخارجي للمنزل؟! يا له من مجهود متعب وضائع.. فالجوعاصف وسيتجمع الغبار في كل الأحوال، ثم إن أحداً لم يطلب منها ذلك ولكنني أعتقد أنها تحب أن تتعب نفسها تلك الغبية!" تذكّرتُ حينها أن هذه المرأة هي نفسها كانت تتذمر من مديرها في العمل لعدم تقديره ما تبذله من جهود مميزة تبادر لها دون أن يطالبها بها أحد، حيث تعمل ساعات إضافية دون مردود مالي، وتساءلتّ كم مرة مَنَحَت لخادمتها زيادة في الراتب بسبب الخدمات المستحدثة أوبسبب الأوقات التي تم قطع نومها فيها لتعمل ساعات إضافية دون مراعاة بشريتها وحاجاتها البيولوجية كالنوم والنفسية كالتقدير.

إن المواقف اليومية التي يفوتنا فيها تقدير جهود الآخرين كثيرة، فالنادل الذي يتفنن في خدمة زبائن المطعم ويستقبل ملاحظاتهم الدقيقة والمزعجة أحياناً بسعة صدر، ويستحمل لومهم له على ارتفاع الأسعار وكأنه هومن وضعها، بل ويرسم على وجهه ابتسامة عريضة رغم كل ما قد يشعر به حقاً؛ فهويستحق إكرامية تعبّرعن تقديرك لجهده الكبير في مقابل راتبه الضئيل، والسائق الذي يفسح المجال لسيارتك كي تمر يستحق إيماءة شكر تقدّر بها مراعاته لوضعك في السير، والطالب الذي يَهبّ ليمسح السبورة جيداً كي يوفّر وقت الحصة ولتتمكن أيها المدرس من الكتابة عليها بوضوح وسلاسة يستحق أن تربّت على كتفه تقديراً لمبادرته وإتقانه.

نُمَحوِر الكون حولنا أحياناً دون أن نشعر فننشغل برغباتنا واحتياجاتنا، ونركّز تعاطفنا على أنفسنا فنأسف على ما تعبنا فيه ومرّ دون إشادة، ونغفل عن تقدير تعب الناس حولنا فنصبح سبباً في أن يشعروا هم كذلك بالأمر ذاته على أصعدة أخرى، هذه دعوة لخلع رداء الضحية قليلاً والنظر للموضوع بعين الجاني، فلتتذكّر في المرة القادمة قبل أن تغضب من عدم تقدير شريك حياتك لك أنك ربما غفلت عن تقديره في أمور أخرى، أليس من الأولى أن ننشغل بإصلاح أنفسنا عن محاولات تغيير الآخرين؟

جريدة الراية - الإثنين12/3/2012

الأحد، 4 مارس 2012

الموت والسفر

كثيراً ما تساءلت منذ صغري عن الفرق بين الموت والسفر الطويل، فلم أجد فرقاً كبيراً بينهما سوى الأمل بعودة الغائبين في الدنيا رغم أن الأمل قد لا يتحقق لا سيما إن كان موعد العودة غير معلوم، ولكن مجرّد وجوده كفيل بالطمأنة، بل قد يكون لقاء الإنسان بحبيب ميّت أقرب له من لقائه بحبيب مسافر فالموت يأتي بغتة، وربّما اجتمعا قبل الموعد المتوقّع في جنة عرضها السموات والأرض.

وقد يتعلق البعض بالآمال في عودة من اختفوا (ربّما بالموت) بسبب الحروب أو الزلازل أو غيرها، فيهون عليهم الفراق، وفي حالات أخرى يكون الأمل مؤلماً ويجعل الإنسان ينتظر عمره كلّه، ولعلّه تمنّى سرّاً لو أن لحبيبه قبراً ما أو أي أثرٍ حسّيٍ لرحيله كي يُسدل الستار على ذلك الفصل من حياته ويستطيع أن يعيش فترة الحزن حتى الإشباع ثم ينتهي منها بعد حين.

قد تكون الإجراءات التي يقوم بها البعض لينسى الراحلين مستحيلة التنفيذ، وقد تكون عملية ومريحة، وقد تكون في أحيانٍ أخرى فادحة يسحق بها روحه، يذكرني بها لحن حزين وصوت شجي يصدح بـ:

"حلفت عمري ما شوف صورة.. ملامح فيها من رسمك
حلفت إني ما افتح يوم.. كتاب يحمل معاني اسمك"
(ماجد سلطان)

الرعب من الذكريات هو بحدّ ذاته حالة غير صحية يجب التغلب عليها، رحيل الأحبّة تجربة كغيرها من تجارب الحياة وعلينا أن نمتلك الشجاعة لنعيشها بكل تفاصيلها فنستطيع في النهاية أن ننفض اليأس نفضاً ونمضي في حياتنا كما مضوا، لا أن يمضي العمر ونحن نخشى السير في شارع مشينا فيه معهم، فتتحوّل الأماكن إلى أشباح والذكريات إلى سكاكين.

مهما خشينا الموت وفراق الأحبّة، فإن الحياة ستستمرّ بعدهم، وسنعقد بعد حين صلحاً مع الذكريات، سنظل نتذكّرهم بشجن لذيذ ونتأثّر لفقدهم بحزن خفي، ولكن هذا لا يعني أننا أصبحنا تعساء بالضرورة، قد يمنحنا الامتنان للعمر الذي قضيناه معهم قوّة نُواجه بها الحياة وتقلبات الزمان، وقد يزرع ذلك الشوق فينا حكمة تجعلنا لا نُعطي الأمور الدنيوية أكبر من حجمها ونحرص على الاستمتاع بما تبقّى لنا من العمر مع من حولنا من أحبّه، بل قد ننتقل لمرحلة جديدة ونتجرأ فنسمح لأنفسنا بالشعور بالسعادة أخيراً.

إشكالية الفراق هي أنها تجعل الراحل أروع بكثير فنشتاق له شوقاً قد نُبالغ فيه، فالكل في البعد أجمل وأقرب للكمال، حتى السلبيات تكاد تختفي في البعد وتكون أقرب للإيجابيات، وإن كان سبب الفراق الموت فإن ذلك يجعل الأحياء أكثر تعاطفاً وتسامحاً مع من تحت التراب فتكون العيوب بحق منسية أو متناساة في هذه الحالة، فلا تدع الموت أو الغياب يُقلّلان من قيمة من حولك من الأحبّة أو يرفعان كثيراً من قدر الغائبين للدرجة التي تفشل معها في ملء بعض الفراغ الذي خلّفوه وتقضي ما تبقى من العمر وحيداً إلا من ذكريات وآسفاً على حالك وكأن وجع القلب حكر عليك من دون الناس، أُحيّي الإيمان في داخلك وتيقن من وجود حياة أبدية بعد حين تلتقي فيها بالجميع كأنهم عادوا من سفر ما.

لكل من لا يستطيع استيعاب حقيقة مفارقة شخص ما للحياة.. اعتبره مسافراً، ولكل من لا يستطيع إسدال الستار على علاقته بشخص غاب بغير الموت.. اعتبره ميتاً، فالأمر سيّان بالنسبة لك والاختلاف بينهما هو لدى الراحل فحسب.

جريدة الراية - الإثنين5/3/2012

الاثنين، 27 فبراير 2012

من يضحك أخيراً .. قد لا يضحك كثيراً!!

صحيح أننا لا نختار أقدارنا؛ ولكن أقدارنا ليست هي قصصنا في نهاية المطاف، فما يحدث لنا فعلياً هو ردود أفعالنا على ما حدث لنا، نحن من نختار كيف سنتصرف في مواجهة ما تجود به الحياة علينا، نحن من نختار أن نقتنص فرص الفرح الصغيرة لنتنفسه بعمق ونملأ رئاتنا به أو نؤجل السعادة في انتظار تحسّن الظروف، فننتظر التخرج أو الوظيفة أو المادة أو الزواج أو الأبناء، ثم ننتظر أن يكبروا أو ننتظر وقت التقاعد وغير ذلك، ونظل ننتظر وننتظر تلك الحياة المثالية كي نأذن لأنفسنا بالشعور بالسعادة أخيراً، وقد لاتأتي تلك الفرصة أبداً فالهموم لن تنته، ثم نُفاجَأ بأن أجمل سنوات العمر قد انزلقت من بين أصابعنا في زحمة الحياة، إن من يضحك أخيراً قد لا يسعه العمر أن يضحك كثيراً، قد يضحك متأخراً بعد أن فقد الضحك قيمته ولم يعد يرغب فيه.

بيدنا أن نحوّل المرض الخطير إلى فرصة لتوعية الآخرين بالوقاية أو نستسلم له وننتظر الموت، بيدنا أن نستغل اللحظات التي نشعر فيها بتحسّن فنفعل شيئاً ممتعاً مع العائلة لنرفع رصيد الذكريات الجميلة، أو ربما نقضي ذلك الوقت في التفكير المرير عما سيؤول إليه حالنا ما إن يعاود الألم الهجوم، وقد نؤجل الفرح حتى يتم الشفاء الذي ليس بأيدينا، وبذلك نفقد السيطرة على حياتنا حيث جعلنا السعادة أمراً معلقاً على أمر غيبي لا يد لنا فيه.

الحياة في نظري قصة لا تهم نهايتها ولكن نجاحها يُقاس بالكيفية التي اختار الفرد أن يعيشها بها، ليست النهايات المؤسفة فشلاً فالعبرة ليست بالنهاية، العبرة كما أراها هي بامتناننا لما فعلناه حتى وصلنا إلى قدرنا في هذه الحياة، فإن كنّا من المقاتلين الذين استطاعوا الوقوف في كل مرة يقعون فيها فنحن لدينا ما نفتخر به وعلينا أن لا نبخس أنفسنا حقها من الرضا والسلام، أنت لاتُلام إن طرحتك الحياة أرضاً ثم لم تتمكن من معاودة الوقوف إن كانت لحظة الراحة قد آنت، لابأس إن لم نضحك أخيراً مادمنا قد ضحكنا في السابق كثيراً، ولكن العار كل العار أن تنحدر أكثر في السقوط وأنت مازلت حياً.

إلى كل من طرحته الحياة أرضاً، قف وانفض عنك غبار الاستسلام، ارفع رأسك واضحك كلما حانت الفرصة فقد لا تكون الضحكة الأخيرة تستحق كل ذلك الانتظار، بل قد تكون كشربة الماء في خيال شخص عطِش فتكون ألذ في الخيال من الواقع، ثم إنها قد لا تكون من نصيبك ولا بأس من ذلك، ثق أنها في الواقع لا تختلف كثيراً عن باقي الضحكات التي نضحكها خلال الدرب.

جريدة الراية - الإثنين27/2/2012

الاثنين، 20 فبراير 2012

هل تتسول الحب؟

هل تلاحق صديقك بالاتصالات ومسجات العتب إن لم يرد عليك؟ هل تلح على شريك الحياة كي يهتم بك؟ هل تلوم أحد والديك إن شعرت أنه لا يحبك بقدر حبه لأخيك؟ هل تشعر بالقهر لأنك تعطي من المشاعر أكثر بكثير مما يُعطى لك؟ إن كنت كذلك فأنت بكل أسف .. تتسوّل الحب!.

أنت تستحق الحب ولكن ليس من شخص بعينه، وفي كل الأحوال أحِبّ نفسك إن لم ير الآخرون مدى روعتك، دعهم يقدموا لك من المشاعر ما تجود به أنفسهم لا ما أرغمتهم عليه، فالحب لايأتي أمراً، وإن طلبناه بشكل مباشر فإنه يأتي مصطنعاً وباهتاً، يأتي لإسكاتنا فحسب، يكون أكثر إيلاماً من عدمه.

انشغل بأمورك الخاصة كما انشغلوا عنك بأمورهم أو بغيرك، وكن على ثقة أن من يُرِد قربك لن تمنعه المشاغل من التواصل معك بشكل أو بآخر، تواصل مع الآخرين بود وسلاسة فالعتب المستمر هو صورة من صور فرض الذات على الآخرين، ولا أحد يستحق أن يضع نفسه في ذلك الموقف المهين.

على الجانب الآخر، هناك دائماً شخص يحبك وينتظر منك ما تنتظره أنت من الآخرين، قد يكون انشغالك بتقصيرهم قد شغلك عنه، ربما ذلك الشخص هو أمٌّ تفرح بطلتك عليها فرحاً تترجمه الدعوات التي يلهج بها لسانها كلما رأتك أو سمعت صوتك، ربما هو صديق الطفولة الذي يتصل بك كل فترة ولاتبادر أنت بالاتصال به، قد يكون ذلك الشخص جارك الذي يبتهج ويلوّح لك كلما صادفك في الطريق ويبحث عنك بين الصفوف كي يصلي بجانبك كلما اجتمعتما في المسجد ويستغل الوقت القصير بعد التسليم ليسأل عن أحوالك باهتمام، ربما هو الخادمة التي كَبرتَ أمام عينيها وتراك الآن منشغلاً بكل شيء بعد أن كانت في أحد الأيام قريبة جداً منك، تنظر إليك بفخر وقد تجاوزتها طولاً وتشعر بأن لها بعض الفضل في ما أنت عليه اليوم، ولكن الواقع أن طعامها لم يعد يعجبك مهما حاولت التودد إليك به، بل ربما تضحك على بساطتها إن بكت على فراقك عند سفرها لتر أهلها، وربما عادت من السفر فلم تجد منك ترحيباً أو فرحاً بهداياها البسيطة.

كل أولئك الذين يتوددون لك في الوقت الذي تمارس عليهم الإرهاب الاجتماعي الذي يمارسه غيرك عليك لن تحمل قلوبهم غلاً عليك لأنهم يحبونك حقاً، ومتى ما عدت لهم ستجد أذرعهم مفتوحة ملء الدنيا فرحاً بقدومك، كفرحتك بمن تتسوّل منهم الحب لو قرروا يوماً أن يعاملوك بالمثل، كلّما أَهملت من يحبك وتناسيت وجوده في زحمة الحياة تَذَكَّر أن من تتسوّل منهم الحب ينسونك كذلك في زحمة حياتهم.

جريدة الراية - الإثنين20/2/2012



الاثنين، 13 فبراير 2012

متى أَعلنتَ وفاتك؟

البعض انتهى عمره قبل موته الفعلي بكثير، هي تلك اللحظة التي توقفت فيها حياته عن التطور وربما بدأ يتجه إلى الوراء، هي اللحظة التي حكم فيها على طموحه بالموت بسبب خيبة أمل كبيرة ألمت به، توقف الزمن لديه عند حدثٍ ما وظل عالقاً في تلك المرحلة الزمنية ومتمسكاً بحلم لم يكتب له تحقيقه فأبى أن يرضى بغيره، كلاعب كرة القدم الذي رسم لنفسه مستقبلاً باهراً في الاحتراف ولكن الحياة فاجأته بإصابة مزمنة وهو في بداياته فانتهى به المقام متحسراً على الشهرة التي لم يحظَ بها، وانتهت إنجازاته عند ذلك الحد ولم يعد يتعرف على نفسه إن لم يُشِر لها بكونه لاعب كرة، فأصبح في نظر نفسه نكرة يخجل حتى من الإشارة لها أمام الآخرين.. لقد أعلن وفاته يوم إصابته.

وممن توقفت لديهم الحياة من فجعوا بموت حبيب، لم يعينوا أنفسهم على تضميد الجراح ولكنهم أمعنوا في تعذيب أنفسهم بالحزن الشديد وربما لم يدعوا للميت بقدر ما تحدثوا عنه، نسوا أن الحبيب قد انتقل إلى رب رحيم وأنه يشتاق الآن للدعاء فحسب، تناسوا أن بينهم من الأحياء أحبة بحاجة لهم الآن، فكما مات حبيبهم فإنهم ماتوا في أعين أحبتهم موتاً أشد، ماتوا بإرادتهم، ابتعدوا مخيّرين، وهذا أشد إيلاماً فهم اختاروا الفراق الذي لم يختره الراحلون بالموت.. لقد أعلنوا وفاتهم يوم موت حبيب.

وآخر توقفت حياته بعد فشله من الزواج من امرأة ما، فرفض الاستسلام للواقع وظل يندب حظه ويفرغ غضبه في من حوله، ربما رسم لها في خياله صورة مثالية ورفض التنازل عنها رغم أنها قد لا تختلف في النهاية عن باقي النساء ولكنها في نظره القاصر تستحق أن تنتهي الحياة بسبب فقدانها، حرم نفسه من التنعّم في حياته وهي مع رجل آخر في الوقت الذي قد لا يكون فيه الرجل الآخر محظوظاً بها حقاً.. لقد أعلن وفاته يوم زواجها من غيره.

قد يبدو الكلام قاسياً بعض الشيء، فخيبة الأمل مريرة ويصعب تجاهلها، يصعب تصديق أن ذلك الشخص لن يلعب الكرة بعد اليوم، وأن الآخر لن يرى عزيزه الراحل مرة أخرى في الدنيا، وأن المرأة التي أراد الزواج بها أصبحت من نصيب رجل آخر، ولكن مهما كان السبب الذي أوقف الإنسان حياته بسببه إلا أن الحياة تظل أعمق من كل الأسباب، لم يكن رمي النبي يوسف عليه السلام في البئر نهاية المطاف، ولم يكن بيعه بثمن بخس حكماً بالبؤس، ليس اتهامه بالخيانة نهاية الحياة ولا سجنه سنين طوالاً يعد فشلاً، لم يمنعه كل ذلك من الاستمرار في تحقيق الإنجازات ومحاولات الإصلاح حتى وهو في السجن بتأويل الرؤى، لم يدمره الظلم بل خرج من بين القضبان إلى معترك الحياة بعزم ليشغل منصباً مرموقاً دون أن يحرمه بؤس الماضي من سعادة الحاضر أو أمل المستقبل في التبرئة من الاتهام والاجتماع بالأهل.

مهما كان سبب تعاسة الإنسان إلا أن الحياة أغنى من أن تتمحور حول شخص أو حدث لأنها لا تثبت على حال، ومن ظلم الإنسان لنفسه أن ينهيها بيده فيتوقف الزمن ولا يَعدو العمر الثمين عن كونه وريقات يقتطعها من الرزنامة وشيباً يفاجأ به أمام المرآة، تأمل في جسدك وستراه يدعوك للعودة للحياة مهما تقدم بك السن، فالأنفاس التي يلفظها صدرك تعني أن رئتيك لم تستسلما بعد، سيمفونية النبضات التي يعزفها قلبك تؤكد لك أنه يريد أن يعيش، لبِّ دعوات الحياة ولا تغلق نافذة روحك ما لم يستسلم جسدك.


جريدة الراية - الإثنين13/2/2012

الأحد، 5 فبراير 2012

عندما يخطئ الملاك

أعرف امرأة حديثة العهد بالأمومة، وعند موعد ثاني استحمام لطفلتها في إحدى ليالي الشتاء الباردة جعلتها تستلقي على قطعة من الإسفنج صممت خصيصاً لاستحمام حديثي الولادة، فوجئت بابنتها تصرخ وتبكي بشدة ولم تعرف السبب، ثم اكتشفت أن الإسفنج به ماء منذ الاستحمام السابق، ونظراً لبرودة الجو فقد كان الماء بارداً جداً، ورغم أن الأمر انتهى عند هذا الحد ولم يصب الطفلة أي أذى، إلا أن الأم ظلت تجلد ذاتها على تلك الحادثة وتتهم نفسها مراراً بالغباء وبأنها أم سيئة، قد يبدو الأمر بسيطاً في أعين الآخرين إلا أنه في نظرها لم يكن كذلك أبداً؛ حيث رسمت لنفسها صورة الأم المثالية التي لم تكن لترتكب مثل هذا الخطأ التافه الذي كان من الممكن أن يؤدي إلى تداعيات جسيمة لولا رحمة الله، جعلها هذا الموقف تشك في قدراتها كثيراً وتستسلم أكثر للمشاعر السلبية فأدخلت نفسها في دوامة من الاكتئاب.

في حياة كل منا أخطاء ارتكبها ويخجل منها، قد تكون صغيرة أو كبيرة، كثيرة أو قليلة، هي تلك الأمور الغبية التي ندمنا على ارتكابها وجَلَدنا ذواتنا عليها مراراً، هي تلك الأمور التي تقض مضاجعنا ليلاً ثم نصحو لنحملها على أكتافنا كل صباح لنعود ليلاً للمبيت وهي جاثمة على صدورنا.

الخطأ وارد، نحن نخطئ كثيراً في تربية الأبناء، في تعاملاتنا مع من حولنا، في القرارات اليومية التي نتخذها في العمل وفي الحياة، قد نتلفظ بأمور نندم عليها فيما بعد، وقد نرتكب أموراً أكبر ونخجل من مواجهة أنفسنا بها أحياناً، وكلما كانت نظرتنا لذاتنا على قدر أكبر من المثالية كلما كان الندم أكثر عنفاً لأننا أنزلنا أنفسنا منازل الملائكة المنزهين عن الخطأ ثم فوجئنا ببشريتنا فأبينا إلا أن ننغمس أكثر في الشعور الرهيب بالذنب رغم أن الله رحيم وغفور، يمنحنا فرصاً تلو الفرص لنستغفر ونتوب، ونظل نخطئ ونعاود الكرة ويتقبل عودتنا مجدداً، ولا يمل سبحانه حتى نمل نحن!

إن الشعور بالندم شعور مزعج ولكنه إيجابي مادام في حدود المعقول، هو يعني أنك على قدر عال من الإحساس، أنك أقرب للآخرين فتشعر بمعاناتهم، في الوقت الذي يدوس فيه غيرك على عذابات الآخرين ويصعد على أكتافهم تظل أنت من يشعر بهم، لابد من توجيه هذه المشاعر إلى المنحى الإيجابي لتتعلم من أخطائك لا أن تصيّرها قضباناً تسجنك، اعتبرها دروساً ربانية في التواضع والتسامح مع الآخرين لأنها دليل حي على أنك لست بملاك أعلى من مستوى البشر، ثق أنك تعلمت منها ومن الندم عليها الكثير، وامض في حياتك.

لابد أن يسامح الإنسان نفسه على الماضي كي يستطيع الاستمرار في الحياة، سامح نفسك واعترف لها أن ماحدث كان أمراً غبياً ولكنه حدث، لقد أخطأت فأين الغريب في الموضوع؟ سامح نفسك فقد عنّفتها بما فيه الكفاية، لاتجعل من أخطائك أبواباً للشيطان يدخل منها ليقنعك أنك سيء فترتكب المزيد بهذا المبرر، أنت لست بسيء وأنت تعلم ذلك ، كل ما في الأمر أنك في لحظة ما قمت بتصرف خاطئ وأنت الآن آسف، هذا كل ما في الأمر، ولا تغتر بمثالية من حولك ففي جعبتهم الكثير من الأخطاء ولكن من ستر الله لنا أنها لا تُكتب على جباهنا وإلا لما خرج شخص من بيته.

دعني أتنبأ لك بالقادم وأخبرك أنه رغم كل ما تظن أنك تملكه الآن من حكمة؛ إلا أنك سترتكب المزيد من الأخطاء في المستقبل، وستفُاجأ بنفسك كيف ان أقدمت على أمورٍ كتلك، ولكن هذه هي الطبيعة البشرية، هكذا أراد لنا الرحمن أن نكون فلم يخلقنا ملائكة منزهين عن الخطأ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ". (صحيح مسلم)


جريدة الراية - الإثنين6/2/2012