الأحد، 24 مارس 2013

تكشيرة الصباح

حين يُحاصرك الازدحام المروري صباحًا في طريقك للعمل؛ تلفّت حولك وانظر إلى وجوههم، مدخّن حانق يزفر بعصبيّة مُخرجًا من رئتيه دخانًا كثيفًا، امرأة ترتدي نظارة قاتمة كبيرة تُغطّي أكثر ملامحها ورغم ذلك تفشل في إخفاء العبوس الصباحي الشديد، أصوات تتعالى وأذرع تخرج من السيارات مندّدة ببعضها بعضًا، سائق متوتر يخشى أن يستسلم لإلحاح الطالبة الجامعيّة التي يُقلّها بزيادة السرعة وتخطّي السيارات فيتورّط بمخالفة يُواجه بها أباها/كفيله فيما بعد، أجواء مزعجة كفيلة بإفساد اليوم بأكمله لدى البعض، رغم أنه صبح يتنفس أقسم به الخالق من فوق سمواتٍ سبع.
 
تصل للعمل فلا يردّ أحد السلام كاملاً إلاّ من رحم ربّي من القلة التي استطاعت الوصول بنجاح إلى كلمة بركاته، وكثير لا يصلون إلى اللام التي تلي السين في كلمة السلام، إن كنت مراجعًا في جهة حكوميّة فمصيرك متوقف على كون الموظف حصل على قهوته أم لا؛ وإن كنت محظوظًا حقًّا ستأتي بعد أن أتمّ إفطاره واستعدّ أخيرًا للبدء في العمل بعد أن توسّطت الشمس كبد السماء، إن كنتِ طالبة فليس لكِ إلاّ أمنية أن معلمّتك قد شبعت نومًا البارحة ولم يُكدّر صفو صباحها شيء لتصبّ جامّ غضبها على الطالبات.
 
من المفارقات العجيبة أن أعداء الصباح لا يكتفون بالغضب منه وإنّما يمتدّ غضبهم إلى كل مبتسم ارتكب جريمة "الروقان الصباحي"، فتراهم يستنكرون عليه راحته وترتفع حواجبهم بالسؤال الاستنكاري: أيّ نوع من البشر يبتسم في الصباح الباكر، يا لتفرّغه!
 
إن كنت من التعساء صباحًا فعليك مراجعة نفسك وإصلاح الوضع، وتأكّد بما لا يدع مجالاً للشك أن العيب ليس في الصباح، فمن السنن الكونيّة أن البركة في البكور، العيب فيمن قرّر أن يسهر ليله وهو يعلم أن عليه الاستيقاظ مبكّرًا، العيب فيمن نام عن صلاة الفجر فصحى متأخّرًا عن العمل وقد فاتته أولى بركات الصباح، ومن المرجّح أنه لن يقرأ القرآن أو أذكار الصباح في خضمّ التوتر الصباحي اليومي حيث سيُسابق الوقت للوصول إلى مكتبه ناسيًا في طريقه أشياء كثيرة، لن يملك الثقة بمظهره ولن يعرف النشاط طريقًا إليه، سيقضي يومه مراقبًا الساعة في انتظار انتهاء العمل، كما قضى أسبوعه مُجرجرًا جسده من السرير كل صباح يسوق نفسه سَوْقًا لمكتبه في انتظار إجازة نهاية الأسبوع ، ليس من الحكمة أن نُضيّع أعمارنا في انتظار "الويك إند" لنُصدم بسرعة انقضائه في كل مرّة، كل مرّة، رغم أن الصدمة يُفترض أن تُبنى على عنصر المفاجأة.
 
تحيّة امتنان أُوجّهها للموظفة صاحبة التكشيرة السامّة التي تستقبل بها المراجعين باستمرار، كتبت هذا المقال من وحي جبينك المقطّب، أشكرك على الابتسامة المجّانية التي بخلت بها، أشكرك لأنك جعلتيني حريصة على عدم جرح صباحاتهم بظروفي الخاصّة التي لا ذنب لهم بها، وأتمنّى من كل قلبي أن يجد هذا المقال طريقه إلى يديك عَلّكِ تتحسّسين بهما ما على رأسك.
 
الراية القطرية - الاثنين 25/3/2013 م
 

الأحد، 17 مارس 2013

هل أوقفت المنبه مرة أخرى ؟

هل ضبطت المنبّه يومًا على وقت مبكّر عازِمًا أن تستيقظ فتُمارس الرياضة أو تقرأ القرآن وغير ذلك من الخطط التي تبدو سهلة جدًّا قبل النوم، ولكن ما إن يُزلزل صوته أركان السرير الدافئ حتى تُسكِته وتُكمل نومك؟ ثم تُعيد ضبطه في اليوم التالي ممنّيًا نفسك ليلاً بإنجازات صباحيّة مُبهرة مهما كلفك الأمر، ليتكرّر الفشل الصباحي اليومي كأنّ شيئًا لم يكن.
 
هل قرّرت قبل بدء العام الدراسي أن تُذاكر أوّلاً بأوّل، ومع مرور فترة بسيطة بدأت الدروس تتراكم وفشلت في السيطرة على الوضع؟ ثم يتكرّر القرار ذاته في الفصل الدراسي التالي لتتكرّر فصول المسرحيّة ذاتها كل عام .. حتى تتخرّج.
 
إن كنت تتخذ قرارات إيجابيّة كتلك ثمّ تتقاعس عن تطبيقها فلست وحدك، يعجز الجسد أحيانًا عن تلبية نداء الحكمة، وكلما استسلمنا لرغبات الجسد الباحث عن الراحة ينتهي بنا المقام نادمين على لحظة كنّا نستطيع فيها إرغام النفس على ما تكره طمعًا في القادم، وفي هذا السياق يحضرني حديث رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ " (صحيح مسلم).
 
ضع لنفسك أهدافًا واقعيّةً ونفّذها تلقائيًّا دون تفكير مطوّل، فقط ادفع نفسك دفعًا للبدء بها، يقول الكاتب والمحاضر الأمريكي مايك دولي: إن من المهم جدًّا أن تستمرّ في المحاولة، ادفع نفسك نحو ذلك، إذا وجدت نفسك متكاسلاً اكذب على نفسك و قل اليوم فقط، الآن فقط، سأكتب فقرة واحدة فقط، سأقوم باتصال هاتفي واحد، سأطرق باب واحد، بعدها ستجد نفسك تقول أنا أستطيع أن أفعل أكثر من ذلك.
 
يُبرّر البعض فشلهم في تحقيق الأهداف بضعف الإرادة، رغم أن غياب الإرادة المشتعلة لا يعتبر سببًا كافيًا للفشل، فمن لا يملك الإرادة القويّة يملك في داخله أمرًا أقوى وهو القدرة على تأديب الذات بإرغامها على ما تكره، تمامًا كما يفعل الإنسان أثناء صيامه، فهو لا يحتاج إرادة قويّة ليستكمل الصيام رغم الجوع، يكفيه أن يُؤمن بأهمّيته فيُرغم نفسه عليه، منع نفسه بكل بساطة من الطعام والشراب حتى المغرب مهما كان مُحبًّا للأكل، وبذلك استطاع أن يصوم رغم اقتناعه أنه لا يملك الإرادة الكافية لإنزال الوزن، ولو كان صيامه جزءًا من نظام غذائي لَتَذَرّع بضعف الإرادة، ما أُريد أن أصل إليه هو أننا نستطيع فعل الأمور وإن لم نردها، بمعنى: وإن لم نملك إرادة قويّة تدفعنا لفعلها بحماس، يكفينا أن نُذَكِّرأنفسنا بأهميّتها.
 
نحن نستطيع أن نتجرّع العلقم إن كان فيه شفاء نبتغيه، فغياب الإرادة لا يعني غياب المحفّز، ومتى ما آمنّا بوجود محفّز استطعنا إرغام أنفسنا على القيام بالأمور المزعجة، ومع الممارسة سنعتاد على إجبار أنفسنا على المكاره فيسهل ذلك علينا، وفي هذا السياق يقال إن قوّة التحمّل هي العامل الرئيسي في اجتياز الأبطال للماراثونات وليس عامل اللياقة كما هو الاعتقاد السائد.
 
انظر للناس حولك تجدهم يقومون يوميًّا بأعمال ألزموا أنفسهم بها وإن كرهوها، فالخادمة التي لم تفرّط يومًا في الاستيقاظ مبكّرًا للتنظيف تحبّ النوم تمامًا كأهل البيت الغاطين في نوم عميق وربّما أكثر، لكن إيمانها بأهميّة ما تقوم به لكسب الرزق ومساعدة أسرتها دفعها لذلك دفعًا، وهذا ما ينبغي علينا تطبيقه: نُذكّر أنفسنا بالأسباب، ولنعلم أننا إن لم نتحكّم في أنفسنا فإننا سنكون فريسة سهلة لتتحكم بنا المؤثرات الخارجيّة.
 
ومع قدرة الإنسان على أن يقول لنفسه "لا" ينمو في داخله احترام كبير لذاته، والعكس صحيح فهو إن خذل ذاته في كل مرّة سيفقد احترامه لنفسه ويتعاظم إحساسه بالفشل، كما أن الإنسان بتأديب النفس يتحرّر من عبوديّتها، فيُصبح كل شيء بعد ذلك ممكنًا لأنه انتصر على أخطر أعدائه: نفسه، استعن بالله على نفسك وسترى العجب.
 
جريدة الراية - الاثنين 18/3/2013 م

الأحد، 10 مارس 2013

نجحوا في الحياة فشلوا في الحب

يُقال إن وراء كل رجل عظيم امرأة، بمعنى أنها سبب نجاحه بدعمها له، لكنني أتحفّظ على استخدام كلمة "كل" في المقولة، ففي حالات كثيرة يكون وراء الرجل العظيم امرأة لا تفهمه وتعجز عيناها عن رؤية مميّزاته، لعلّه أصبح عظيمًا بسبب انغماسه في العمل هروبًا منها.
 
الأمر ذاته ينطبق على المرأة العظيمة، فبعضهن ابتلين برجال يحاولون مرارًا سحبهن للوراء مهما بلغن من التميّز، ولهذا السبب ثمة عظيمات لم نسمع بهن للآن، البعض لا يحتجن للدعم بقدر حاجتهن للتخلّص من القيود التي ما أنزل الله بها من سلطان، يُقال في هذا السياق: وراء كل امرأة عظيمة رجل تركها في حالها، وإحقاقًا للحق؛ فأنا أتحفّظ هنا كذلك على استخدام كلمة "كل"، لكن الشيء بالشيء يُذكَر.
 
الفيلسوف اليوناني سقراط الذي يُعتبر مؤسس الفلسفة الغربية حيث ملأ العالم قيمًا في ذلك الزمان وسار على خُطاه الكثير من الفلاسفة لم يكن متوافقًا مع زوجته، يُقال إنها كانت سليطة اللسان يعلو صوتها عليه بالإهانات أمام تلاميذه، لم تتفهّم عظمة ما كان يفعله، لكنه انشغل عن اختلافه معها بفلسفته وتلاميذه فترك للعالم إرثًا تنهل منه البشرية حتى اللحظة.
 
ومن النماذج المعاصرة السيد راتان تاتا الذي يَدرس طلبة الجامعات عبقريته في إدارة الأعمال والخدمات الجليلة التي قدّمها لبلاده، حيث كرّمته حكومة الهند بمنحه ثاني أكبر وسام في الدولة (ولا تزال شوارع الهند تتزيّن بسيارات تاتا الهندية في الوقت الذي يُقرأ فيه هذا المقال)، ابتكر هذا الرجل سيارة تاتا نانو وهي أرخص وأصغر سيارة في العالم، وذلك بعد أن رأى أسرة هندية تركب دراجة ذات عجلتين على طريق وعرة فاستفزّه المنظر وقرّر أن يبتكر سيارة منخفضة السعر للفقراء، تمكن من تحقيق ذلك في ست سنوات فقط.
 
هذا الرجل العظيم عاش حياته مكافحًا حتى وصل إلى هذه المرحلة من النجاح والثروة ولكنه إلى اليوم وفي عمر السادسة والسبعين ما زال عازبًا وقد نقل عنه موقع بزنس ستاندرد (وهو موقع متخصص في أخبار الأعمال في الهند) بعد أن أتمّ السبعين عامًا أنه يعترف أنه وحيد ولكن ليس لديه الجرأة الكافية كي يُعالج هذا الوضع، كما ذكر أنه طالما عانى من مشاكل في الثقة بالنفس، ويُقال إن بعض مشاكله النفسية قد حلّت بعد أن تطوّرت شركة تاتا موتورز مع الألفية الجديدة.
 
إن الانشغال بتحقيق الإنجازات خير وأعظم أجرًا من الانشغال بالسعي خلف حب لم يُكتب لنا، كثير من الأفراد الفعّالين في المجتمع هم نتاج بيئة أسريّة طاردة، بل إن الكثير ممن قدّموا للبشرية خدمات جليلة هم أنفسهم لم يجدوا في حياتهم الخاصة من يحنو عليهم ويسعدهم، ولا بأس، فمُعاناة الإنسان على صعيد واحد من حياته لا تعني فشله في بقية الأصعدة، وإنما قد يمنحه ذلك النقص دافعًا للتفوّق المذهل في الأمور الأخرى، والأمثلة من حولنا كثيرة.
 
الراية القطرية- الاثنين 11/3/2013 م

الأحد، 3 مارس 2013

هل دمرت إنساناً ؟

"هل تعرفين سبب فشلي؟" فاجأتني بهذا السؤال، ثم استرسلت: "إنها معلمتي في المرحلة الابتدائية، هي سبب كل ما أنا فيه!"، استغربت من كلامها، فما دخل المعلمة بما يحدث لها الآن بعد سنوات طوال تزوجت فيها وأنجبت، بل وأصبحت اليوم جدّة!
 
 
تقول: حين كنت في بداية المرحلة الابتدائية كانت المعلمة تستهدفني بشكل شخصي، تصفني بالقبح والغباء أمام الفتيات، لا تتوانى عن توبيخي وضربي، جعلت مني أضحوكة أمام الجميع، بسببها عجزت عن فهم الدروس وكرهت المدرسة والتعليم بأكمله، كنت لا أنام الليل خوفًا منها، وكنت أصاب في الصباح بالمغص والغثيان، بل إنني كنت أستفرغ كل ما في معدتي الصغيرة أمام باب المدرسة فيشفق أبي علي ويُعيدني للمنزل.
 
 
حتى أتى اليوم الذي استسلم فيه أهلي لرغبتي وسمحوا لي بترك مقاعد الدراسة، تزوجت بعدها أول خاطب لسبب بريء وهو كي لا يعيدوني للمدرسة، فكنت كالمستجير من الرمضاء بالنار، لقد كانت معلمتي السبب الرئيس الذي جعلني أقبل بهذا الرجل السيئ الذي أحال حياتي جحيمًا، وها أنا اليوم أمامك أعاني ذل الحاجة ويحرجني عجزي عن فك الخط في الوقت الذي يتمتّع فيه كل من حولي بوضع اجتماعي ومادي يلائم طبيعة المجتمع، لقد دمرت تلك المعلمة حياتي.
 
 
أشفقت عليها، وتساءلت: هل يعي الناس أنهم بتصرّفات صغيرة ربما يتسبّبون في تدمير حياة إنسان؟ هل يعلم الشاب الذي قرّر أن يتسابق مع أصدقائه بسيارته في الشارع العام عن حال الشخص الذي صدمه؟ هل يستوعب عقله أن لحظة الترفيه التي تسابق فيها بطيش جعلت شخصًا آخر يفقد قدرته على الحركة ويستعين بالآخرين في كل شيء، كل شيء.
 
 
متى يستوعب الأب الذي لم يتوانَ عن وصف ابنه بالفشل في كل محفل ومقارنته بأقرانه؛ أنه السبب المباشر الذي جعل الابن يقضِ الساعات الطوال خارج المنزل، يصدّق فيها أنه سيئ ويتعرّف على صحبة سيئة، وربما قرّر أن يُكمل تعليمه في الخارج فقط ليهرب من المنزل ويمارس الضياع خارج حدود الوطن، كل ذلك بسبب كلمات قالها أبوه وحفرت لها مكانًا في روحه وهو طفل ليحملها معه رجلاً أينما ذهب ويحاول أن يخدّر غضبه منها باللهو الذي ربما يدمّر حياته.
 
 
متى يفهم الزوج أنه حين أدخل ابنة الناس إلى منزله وفرض عليها قوانينه الجائرة فحرمها من أهلها وصديقاتها وربما منعها من استكمال تعليمها وغير ذلك؛ أنه ساهم بشكل مباشر في إصابتها بمختلف الأمراض العضوية والنفسية في مجتمع لا يعترف بحق المريض النفسي في العلاج!
 
 
قد تبدو رسالة حديث هذا الاثنين بديهية، بكل بساطة لا تدمّر حياة الآخرين، لكنها أعمق من ذلك، هي تنبيه على خطورة سوء استغلال أي سلطة منحنا الله إياها نحو عباده، هي دعوة لنراعي آثار كل تصرّفاتنا على حياة الناس من حولنا، هي دعوة لنعي خطورة سلاح الكلمات ولا نستخدمه في تدمير حياة الآخرين فيعانوا بسببنا دون أن نعلم، فإن لم نعاملهم بالحسنى حرصًا عليهم فلتكن مراعاتنا خوفًا من الجبار الذي لا شك سيقتصّ لهم من فوق سمواتٍ سبع.
 
جريدة الراية القطرية- الاثنين 4/3/2013
 

الأحد، 24 فبراير 2013

لماذا أنا ؟!

ما الذي فعلته ليحصل لي كل هذا؟ سؤال قد يتبادر إلى الذهن في لحظة ضعف ويجعل الإنسان يتساءل: لماذا أنا؟ لماذا أنا بالذات أُحرم من ذلك الأمر الذي يتمتع به الكثيرون غيري، بل يتمتع به من هم دوني في الأخلاق أو الإيمان أو غير ذلك.
 
قد يتساءل أحدنا: لماذا أصبت بهذا المرض المُزمن بينما فلان يتمتع بصحة يُمارس بها المنكرات ويُسافر لأقصى بقاع الأرض وأنا هنا محبوس في مكاني أعجز حتى عن الذهاب لأقرب الأماكن؟ وقد تتساءل أخرى: ألا أستحقّ زوجاً أفضل من هذا الذي قَلَب حياتي جحيماً رغم كل ما أفعله من أجله بينما زوج فلانة يُوفر لها كل شيء وهي أقل مني في كل شيء؟ وربّما تساءل أحدهم: أيعقل أن أُحرم من الزواج لسوء وضعي المادي وأنا العفيف الذي ما عرف الحرام يوماً بينما فلان الفاسق يملك الأموال التي فاضت بها جيوب فتيات الهوى؟
 
ما هو الشيء الذي يُشعرك بالنقص لتتساءل حياله: لماذا أنا؟ إن كان في دينك فأنت حقاً تُواجه خسارة كبيرة عليك تداركها قبل أن يسبقك الآخرون إلى جنان الخلد، أمّا إن كان في غير الدين فتلك أمور زائلة لا يُعتدّ بها إطلاقاً، فالدنيا تُقبِل على البَر والفاجر، لأنها ليست بذات قيمة أصلاً؛ ما لم يُستعان بها في التزوّد للآخرة الباقية.
 
لو كان للأرزاق الدنيوية قيمة تُذكر ولو وُزّعت بين الناس حسب ما يستحقون لما سقى الله كافراً في الدنيا شربة ماء، لكن الدنيا أحقرعنده سبحانه من جناح بعوضة، ثمّ إن قيمتنا عند الله لا يحدّدها ما نملك من صحة أو مال أو أبناء أو منصب أوغير ذلك، كما أن الابتلاءات مهما اشتدّت فهي زائلة وقصيرة أطولها سيُنهيه الموت قطعاً، وما أقرب الموت.
 
من المفارقات العجيبة التي تبرز مع جملة "لماذا أنا؟" أن الإنسان قد يتحسّرعلى حاله وهو لا يعلم أنه في خير عظيم، الوجع الدنيوي أشغله عن إدراك ذلك، ورغم أننا نعلم أن أمر المؤمن كله خير، إلاّ أننا نعجز أحياناً عن رؤية عواقب الأمور، فالابتلاءات قد تكون طريقنا للجنة إن صبرنا واحتسبنا.
 
هل نحن أعزّ على الله من حبيبه صلى الله عليه وآله وسلم الذي لم يسلم من الهموم وهو سيّد البشريّة؟ ألم يُكتب عليه اليتم وليداً فما رأت عيناه الشريفتان أبيه قط؟ ثم ماتت أمه وهو في سن صغيرة، لا أحسبه كان مستعدّاً لهذا الفقد المؤلم، أيّ وجع سكن صدره الشريف وهو يدفن أبناءه صغاراً؟ أي حزن هجم عليه حين مات عمه وناصره وهو لم يتمكن حتى أن يقنعه بتلفظ كلمة يحاج له بها عند الله؟ وفي العام ذاته اختفت من حياته تلك التي زملته وهو يرجف رعباً وآمنت به حين كذبه الناس، لسنا أعز على الله منه صلى الله عليه وآله وسلم.
 
لا تقل "لماذا أنا" تحسّراً على مافاتك من دنيا زائلة فاتك فيها قبل ذلك لقاء الحبيب، إن دنيا تخلو من أنفاسه الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالزهد بما فيها، قال أبو العتاهية:
اصبر لكل مصيبة وتجلدِ     واعلم بأن المرء غير مخلدِ
أو ما ترى أن المصائب جمةً؟     وترى المَنية للعباد بمرصدِ؟
من لم يصب ممن ترى بمصيبةٍ؟     هذا سبيل لست عنه بأوحدِ
وإذا ذكرت مصيبة تسلو بها      فاذكر مصابك بالنبي محمدِ
 
جريدة الراية القطرية - الاثنين 25/2/2013 م

الأحد، 17 فبراير 2013

سبب التغيير!

أعرفها شخصيًا، تعيسة في حياتها، المحيط الأسري الذي تعيش به سيء للغاية، لا أحد يهتمّ بها أو حتى يحترمها من أهلها، صادفتها منذ فترة فإذا بها قد تغيّرت كليًا، جميلة رشيقة مبتسمة أنيقة، في عينيها بريق الحياة، تتحدّث بثقة لم أعهدها، تحمست كثيرًا لأسمع قصتها وأعرف سبب هذا التحوّل الكبير في شكلها ونفسيتها.
 
دارت ببالي أمور كثيرة، لعلّها تزوجت من رجل صالح عوّضها عن بؤس الماضي، لعلّها ورثت مبلغًا كبيرًا أسعدها واشترت به كل ما كان ينقصها، ربما تغيّر أهلها فجأة فعرفوا قيمة وجودها وأصبحوا يقدّرون كل تضحياتها، لعلّها حصلت على وظيفة رائعة براتب مغرٍ وظروف عمل أفضل من وظيفتها السابقة التي كانت تشتكي منها.
 
أجابتني بهدوء: أما الزواج فلم يُكتب لي بعد، وأما الوضع المادي فديوني كما هي ما زالت تلتهم راتبي شهريًا، أهلي لم يتغيّروا بل لم يفرحوا لي أو حتى يهتمّوا بما طرأ على حياتي من تغيّر إيجابي، وظيفتي ما زلت فيها وما زال المدير المتسلط موجودًا، لم يتغيّر شيء من حولي.
 
أثار ردها استغرابي الشديد، واسترسلت في كلامها: قصصنا في هذه الحياة ليست مثيرة بالضرورة، فنحن لا نعيش فيلمًا ذا حبكة مسلية، وإنما قد تكمن غرابة الأحداث في ضعف مسبباتها، لم تمطر السماء عليّ ذهبًا يا عزيزتي، وددت لو أن لدي قصة جميلة كالقصص التي خدعونا بها لأرويها لكِ، قصة لا تخلو من السحر، فيها تفاحة مسمومة تليها قبلة تمنح الحياة، فيها ضفدع يتحوّل إلى أمير، لا يا صديقتي، ما زال أبي البخيل يرفض استقدام خادمة، وما زلت كلما نفضت الغبار من المنزل أتخيّل المارد الذي سيظهر أمامي ويُحقق لي المستحيل، لكن الغبار لم يمنحني إلا السعال وتزايد نوبات الربو مع تغيّر الجو.
 
كل ما تغير هو نظرتي لنفسي ولما حولي، لا تستغربي ولا تستهيني بالتغيير الداخلي، فالأمور العظيمة تبدأ من الداخل، قرّرت أنني لن أنتظر شيئًا من أحد، ولن أكون أنا والمجتمع ضد نفسي، أنا اليوم لا أقسو على نفسي حتى إن قصرت في أمر ما، وإنما أطبطب عليها برفق وأقول لا بأس غدًا يوم جديد نتدارك فيه الهفوات وتمضي الحياة.
 
استعنت بعدد من الكتب والدورات لأتعلم كيف أحبّ نفسي وأدللها، ولأتعلم كذلك كيف أتفادى سلبية الآخرين، اكتسبت عددًا من المهارات الحياتية التي جعلتني إنسانة إيجابية أرى الجانب المشرق في أحلك المواقف، حسّنت عاداتي الغذائية وسعيت للتخلص من الوزن الزائد، لقد حققت لنفسي التوازن الذي كنت أطمح له على مختلف أصعدة الحياة الديني منها والدنيوي، فعلت ذلك كله من أجل نفسي فقط، لم أسعَ لتغيير رأي أحد فيّ، ولم أنتظر من أي إنسان أن يصفّق لي كي أستمر، وإنما استمررت لأني أعلم أن أحدًا لن يصفق لي.
 
هذه قصتي، تغيّرت بلا سبب سوى أني أردت ذلك بكل جوارحي، اقتنيت حذاء السعادة بنفسي ولم أنتظر ابن الملك ليعثر عليه ثم يجدني ويجلس عند قدمي ليلبسني إياه، رغم بساطة قصتي إلا أني أفتخر بها كثيرًا، اعذريني إن لم تحقق لكِ الإثارة وأحسبها قد أصابتكِ بالضجر، ورغم ذلك فأنا أعرض عليكِ أن تكتبي عنها إن شئت، أريني كيف سيصيغها قلمكِ، فأنا وبكل تواضع أرى أنها ستلامس حياة الكثير من القراء الذين ينتظرون التغيير من الخارج، رغم أن التغيير.. لبّ التغيير.. يبدأ من الداخل.
 
جريدة الراية القطرية - الاثنين18 /2/2013 م
 

الأحد، 10 فبراير 2013

خيمة السعادة

حين أعود بالذاكرة إلى الوراء لأسترجع أسعد لحظات الطفولة تقفز إلى الذهن قصص كثيرة، أبرزها أمور غير مكلفة، بل إن الكثير منها مجاني، مما جعلني أتساءل هل حقاً السعادة مجانية ومتاحة للجميع؟ وهل يعقل أن تجد السعادة مكاناً أكبر في قلب العامل الذي يفترش الإسمنت ويلتحف الشمس الحارقة بينما لاتكاد تجد لها مكاناً في قلب ساكن القصر في الشارع ذاته؟.
أسعد ذكريات الطفولة المبكرة جداً بالنسبة لي لم تكن السفر للخارج أو شراء الألعاب الغالية، رغم أنني ممتنة جداً لكل تلك الذكريات الرائعة، إلا أن الذكرى الأكثر صخباً في داخلي كانت حين "ألعب خيمة" مع والدي أطال الله عمره على الصالحات، كثيراً ماكان يسألني قبل أن يأوي إلى فراشه "هل تريدين أن نلعب خيمة؟" فأقفز فرحاً وأجري نحو غرفته بحماس منقطع النظير لأجلس داخل تلك الخيمة الواسعة منبهرة بضوئها الخافت، حيث كنت أندس تحت فراش أبي الذي يرفع رجله ويده ليتحول السرير إلى خيمة سحرية عجيبة أقهقه داخلها كأنني ملكت الدنيا ومافيها.
الأطفال حديثو العهد بالدنيا ولذلك فنفوسهم مازالت على الفطرة السليمة، فقهوا حقيقة السعادة التي لاتحتاج لجهد جبار، ولعل درس السعادة بالموجود (أياً كان) هو أثمن مايمكن أن نتعلمه من الأطفال، إلى جانب العديد من الدروس الثمينة كالتسامح والمرح وتكرار المحاولات في كل شيء كي تظل جذوة الحياة مشتعلة.
القدرة على الاستمتاع بتفاصيل الحياة الصغيرة من أبرز مهارات السعداء، منح الذات صلاحية التلذذ بكوب من الشاي على دكّة متهالكة والنفس راضية أجمل من ارتشاف قهوة فاخرة في أفخم مقاهي باريس بنفس لاتشبع من الدنيا، مراقبة طفل متحمس لاكتشافه المشي ممتعة أكثر من مراقبة شاشات الأسهم ارتفاعاً ونزولاً، تناول شطيرة لاتتجاوز الخمس ريالات مع شخص تحبه يسعد أكثر من تناول وجبة في أغلى الفنادق مع شخص لاتستطيع فتح حوار معه فينشغل كلاكما بهاتفه الثمين المغلف بغطاء غال.
المال لايشتري السعادة، ولو كان يشتريها لكان الأثرياء أبعد الناس عن الأمراض النفسية وحالات الإدمان والانتحار، أصحاب النفوس الغنية هم السعداء حقاً، إذ أن رضاهم بمالديهم صرف أذهانهم عن الحزن على مافاتهم، فانشغلوا بالاستمتاع بما لديهم.
هذه دعوة لنلتفت قليلاً لجمال الأشياء البسيطة، ولنخترع لأبنائنا المزيد من خيام السعادة؛ فضوؤها الخافت سيتسلل إلى أرواحهم بعد حين، لينتشلهم من أحلك لحظات العمر، ويمنحهم الدفء والأمان.
 
جريدة الراية القطرية - حديث الإثنين 11/2/2013 م