الأحد، 17 فبراير 2013

سبب التغيير!

أعرفها شخصيًا، تعيسة في حياتها، المحيط الأسري الذي تعيش به سيء للغاية، لا أحد يهتمّ بها أو حتى يحترمها من أهلها، صادفتها منذ فترة فإذا بها قد تغيّرت كليًا، جميلة رشيقة مبتسمة أنيقة، في عينيها بريق الحياة، تتحدّث بثقة لم أعهدها، تحمست كثيرًا لأسمع قصتها وأعرف سبب هذا التحوّل الكبير في شكلها ونفسيتها.
 
دارت ببالي أمور كثيرة، لعلّها تزوجت من رجل صالح عوّضها عن بؤس الماضي، لعلّها ورثت مبلغًا كبيرًا أسعدها واشترت به كل ما كان ينقصها، ربما تغيّر أهلها فجأة فعرفوا قيمة وجودها وأصبحوا يقدّرون كل تضحياتها، لعلّها حصلت على وظيفة رائعة براتب مغرٍ وظروف عمل أفضل من وظيفتها السابقة التي كانت تشتكي منها.
 
أجابتني بهدوء: أما الزواج فلم يُكتب لي بعد، وأما الوضع المادي فديوني كما هي ما زالت تلتهم راتبي شهريًا، أهلي لم يتغيّروا بل لم يفرحوا لي أو حتى يهتمّوا بما طرأ على حياتي من تغيّر إيجابي، وظيفتي ما زلت فيها وما زال المدير المتسلط موجودًا، لم يتغيّر شيء من حولي.
 
أثار ردها استغرابي الشديد، واسترسلت في كلامها: قصصنا في هذه الحياة ليست مثيرة بالضرورة، فنحن لا نعيش فيلمًا ذا حبكة مسلية، وإنما قد تكمن غرابة الأحداث في ضعف مسبباتها، لم تمطر السماء عليّ ذهبًا يا عزيزتي، وددت لو أن لدي قصة جميلة كالقصص التي خدعونا بها لأرويها لكِ، قصة لا تخلو من السحر، فيها تفاحة مسمومة تليها قبلة تمنح الحياة، فيها ضفدع يتحوّل إلى أمير، لا يا صديقتي، ما زال أبي البخيل يرفض استقدام خادمة، وما زلت كلما نفضت الغبار من المنزل أتخيّل المارد الذي سيظهر أمامي ويُحقق لي المستحيل، لكن الغبار لم يمنحني إلا السعال وتزايد نوبات الربو مع تغيّر الجو.
 
كل ما تغير هو نظرتي لنفسي ولما حولي، لا تستغربي ولا تستهيني بالتغيير الداخلي، فالأمور العظيمة تبدأ من الداخل، قرّرت أنني لن أنتظر شيئًا من أحد، ولن أكون أنا والمجتمع ضد نفسي، أنا اليوم لا أقسو على نفسي حتى إن قصرت في أمر ما، وإنما أطبطب عليها برفق وأقول لا بأس غدًا يوم جديد نتدارك فيه الهفوات وتمضي الحياة.
 
استعنت بعدد من الكتب والدورات لأتعلم كيف أحبّ نفسي وأدللها، ولأتعلم كذلك كيف أتفادى سلبية الآخرين، اكتسبت عددًا من المهارات الحياتية التي جعلتني إنسانة إيجابية أرى الجانب المشرق في أحلك المواقف، حسّنت عاداتي الغذائية وسعيت للتخلص من الوزن الزائد، لقد حققت لنفسي التوازن الذي كنت أطمح له على مختلف أصعدة الحياة الديني منها والدنيوي، فعلت ذلك كله من أجل نفسي فقط، لم أسعَ لتغيير رأي أحد فيّ، ولم أنتظر من أي إنسان أن يصفّق لي كي أستمر، وإنما استمررت لأني أعلم أن أحدًا لن يصفق لي.
 
هذه قصتي، تغيّرت بلا سبب سوى أني أردت ذلك بكل جوارحي، اقتنيت حذاء السعادة بنفسي ولم أنتظر ابن الملك ليعثر عليه ثم يجدني ويجلس عند قدمي ليلبسني إياه، رغم بساطة قصتي إلا أني أفتخر بها كثيرًا، اعذريني إن لم تحقق لكِ الإثارة وأحسبها قد أصابتكِ بالضجر، ورغم ذلك فأنا أعرض عليكِ أن تكتبي عنها إن شئت، أريني كيف سيصيغها قلمكِ، فأنا وبكل تواضع أرى أنها ستلامس حياة الكثير من القراء الذين ينتظرون التغيير من الخارج، رغم أن التغيير.. لبّ التغيير.. يبدأ من الداخل.
 
جريدة الراية القطرية - الاثنين18 /2/2013 م
 

الأحد، 10 فبراير 2013

خيمة السعادة

حين أعود بالذاكرة إلى الوراء لأسترجع أسعد لحظات الطفولة تقفز إلى الذهن قصص كثيرة، أبرزها أمور غير مكلفة، بل إن الكثير منها مجاني، مما جعلني أتساءل هل حقاً السعادة مجانية ومتاحة للجميع؟ وهل يعقل أن تجد السعادة مكاناً أكبر في قلب العامل الذي يفترش الإسمنت ويلتحف الشمس الحارقة بينما لاتكاد تجد لها مكاناً في قلب ساكن القصر في الشارع ذاته؟.
أسعد ذكريات الطفولة المبكرة جداً بالنسبة لي لم تكن السفر للخارج أو شراء الألعاب الغالية، رغم أنني ممتنة جداً لكل تلك الذكريات الرائعة، إلا أن الذكرى الأكثر صخباً في داخلي كانت حين "ألعب خيمة" مع والدي أطال الله عمره على الصالحات، كثيراً ماكان يسألني قبل أن يأوي إلى فراشه "هل تريدين أن نلعب خيمة؟" فأقفز فرحاً وأجري نحو غرفته بحماس منقطع النظير لأجلس داخل تلك الخيمة الواسعة منبهرة بضوئها الخافت، حيث كنت أندس تحت فراش أبي الذي يرفع رجله ويده ليتحول السرير إلى خيمة سحرية عجيبة أقهقه داخلها كأنني ملكت الدنيا ومافيها.
الأطفال حديثو العهد بالدنيا ولذلك فنفوسهم مازالت على الفطرة السليمة، فقهوا حقيقة السعادة التي لاتحتاج لجهد جبار، ولعل درس السعادة بالموجود (أياً كان) هو أثمن مايمكن أن نتعلمه من الأطفال، إلى جانب العديد من الدروس الثمينة كالتسامح والمرح وتكرار المحاولات في كل شيء كي تظل جذوة الحياة مشتعلة.
القدرة على الاستمتاع بتفاصيل الحياة الصغيرة من أبرز مهارات السعداء، منح الذات صلاحية التلذذ بكوب من الشاي على دكّة متهالكة والنفس راضية أجمل من ارتشاف قهوة فاخرة في أفخم مقاهي باريس بنفس لاتشبع من الدنيا، مراقبة طفل متحمس لاكتشافه المشي ممتعة أكثر من مراقبة شاشات الأسهم ارتفاعاً ونزولاً، تناول شطيرة لاتتجاوز الخمس ريالات مع شخص تحبه يسعد أكثر من تناول وجبة في أغلى الفنادق مع شخص لاتستطيع فتح حوار معه فينشغل كلاكما بهاتفه الثمين المغلف بغطاء غال.
المال لايشتري السعادة، ولو كان يشتريها لكان الأثرياء أبعد الناس عن الأمراض النفسية وحالات الإدمان والانتحار، أصحاب النفوس الغنية هم السعداء حقاً، إذ أن رضاهم بمالديهم صرف أذهانهم عن الحزن على مافاتهم، فانشغلوا بالاستمتاع بما لديهم.
هذه دعوة لنلتفت قليلاً لجمال الأشياء البسيطة، ولنخترع لأبنائنا المزيد من خيام السعادة؛ فضوؤها الخافت سيتسلل إلى أرواحهم بعد حين، لينتشلهم من أحلك لحظات العمر، ويمنحهم الدفء والأمان.
 
جريدة الراية القطرية - حديث الإثنين 11/2/2013 م
 
 

الأحد، 3 فبراير 2013

تذكر أنك تحبهم

أتلفّت حولي يمنة ويسرة فلا أرى الحب الذي كنت أراه في السابق، وأخشى أننا بدأنا ننساه في هذا الزمن المادي البارد، أذهب للمطاعم فأستبشر برؤية العائلات مجتمعة، ثم أمعن النظر فأحبط مجدداً، لا أرى الفرح في أعينهم ولا الحماس في حديثهم، أراهم منشغلين بهواتفهم، وأكاد أجزم أن نقاشاتهم القليلة تمحورت حول الصور التي التقطوها لأطباقهم وردود أفعال الناس في الشبكات الاجتماعية على هذا الحدث العائلي الرائع.
 
إن الانشغال بالتوافه جعلنا ننسى قيمة الحب الذي هو أثمن ما نملك، ننسى الاستمتاع بقرب أحبابنا ثم نفاجَأ بأن العمر قد مرّ سريعاً، صغيرهم كبر، صحيحهم مرض، الموجود منهم غاب، والحي منهم مات، لم يغادرنا الجميع فجأة، البعض ينسحب من أمام أعيننا دون أن نلاحظ، سرقتنا منهم التوافه التي تزاحمت في عقولنا، سرقتنا الأجهزة الذكية، سرقنا هوس اقتناء كل شيء، سرقتنا الوظائف بأوقات عمل طويلة، شغلنا الانغماس بالبحث المستميت عن مصادر دخل إضافية، فلم يعد هناك مكان للأصدقاء ولا حتى للأهل، بل لم يعد هناك مجال لنمارس وظيفتنا الحقيقية هنا؛ وهي أن نعبد الله.
 
أعلم أن ما يشغلك عن أحبابك ليس بأغلى منهم، وأعلم أن ما تتشاجر معهم بسببه قد لا يستحق أن تخسرهم به، الفستان الغالي الذي أشبعت ابنتك ضرباً بسبب توسيخه لا يستحق دموعها، والغرض الذي لم يحضره لك زوجك من السوبرماركت لا يستحق أن يبات ليلة واحدة غضباناً من شجاركما بسببه.
 
في داخل قلب كل أم، يبات طفلها في المستشفى، ندم دفين على تبرمها من شقاوته في السابق، بل إنها تتمنى اليوم (وهو على السرير الأبيض) ذلك الإزعاج الذي ملأ أركان بيتها بدل هدوئه القاتل اليوم والرعب الذي يهجم عليها مع كل رنة هاتف، في داخل قلب كل أرملة وجع دفين على الشجارات التافهة التي عكرت بها ماضي زواجها من ذلك الراحل، تعلم اليوم أنها ( إن عاد للحياة ) لن تتبرم من رميه لحذائه يمنة ويسرة فور دخوله المنزل، لن تغضب إن رمى الجرائد على الأرض بعد قراءتها، لن تثور إن لم يخرجا معاً نهاية الأسبوع كما وعدها، بل إنها لن تعاتبه كثيراًعلى تأخره في العودة للمنزل طالما أنه بخير، تعلم اليوم (وهو تحت التراب) أن كل ما يهمها حقاً هو أن يكون بخير.
 
تذكّر في كل مرة تنزعج فيها من إلحاح أمك عليك لتناول لقمة من أحد أطباقها أنك قد تسترجع هذه الحادثة في يوم تتمنى فيه تقبيل هذه الأصابع التي تمتد لك الآن، تذكر في كل مرة يرن فيها هاتفك الجوال فترى رقم زوجتك ولا ترد أنك قد تشتاق يوماً لهذا الرقم فلا تراه، تذكر في كل مرة يطلب فيها أبوك أن تشاركه تناول وجبة طعام فتتهرّب متعذراً بالانشغال أن العمر قد لا يمهله أن ينتظر مشاغلك حتى تنتهي فتتكرّم عليه بتلبية دعوته، وتذكر في كل مرة تنام فيها عن تلبيه نداء الصلاة أنك قد تشتاق لبيوت الله يوماً فلا تتمكن من دخولها، وربما اشتقت للسجود فاستعصى ذلك على جسدك.
 
من عجائب المصائب ( كمصيبة الموت ) أنها تمنحنا وضوحاً شديداً في رؤية الأمور، تمكّننا من التمييز بين التافه والمهم، لكن المضحك المبكي أن ذلك الفهم يأتي متأخراً، بعد أن يعجز التافه عن تسليتنا، ونفقد المهم الذي لم نعد قادرين على الاستغناء عنه؛ لكننا نضطر إلى استكمال مشوار العمر بدونه.
 
جريدة الراية القطرية - الاثنين 4/2/2013 م

الأحد، 27 يناير 2013

القشة

أراد رجل السفر إلى بلدة ما، فحَمّل جَمَلَهُ متاعاً ثقيلاً يتجاوز حِمل أربعة جمال، صرخ به الناس إشفاقاً على الجمل، لكنه لم يهتم وتناول حزمة تبن صغيرة رماها فوق ظهره وقال: هذه خفيفة وهي آخر المتاع.
 
كلنا يعرف نهاية القصة حيث سقط البعير وتعجب الناس فقالوا: قشة قصمت ظهر البعير! وكلنا يعرف أن القشة بريئة من تلك الجريمة رغم أنها السبب الظاهر الذي كسر ظهر البعير وسبّب هلاكه.
 
عند حدوث مشاكل كبيرة بمسببات صغيرة ابحث عما وراء القشة ، فحقائق الأمور تكمن فيما وراء الأسباب الظاهرة، اصرف النظر عن السبب السطحي الذي أشعل الفتيل، والتفت للتراكمات التي تجمعت في الصدور على مدى السنين، ففوهة البركان التي بدأ منها الانفجار كان أسفلها يغلي لفترة طويلة.
 
الخادمة التي هربت لم تفعل ذلك لأنك عنّفتها على كسر كوب، تلك هي القشة فحسب، ربما لأنك أحرجتها مراراً بالصراخ عليها لأسباب تافهة، ربما لأنك تأخرتَ كثيراً في صرف راتبها، ربما لأنها أصبحت مادة للاستهزاء أمام الضيوف يضحك عليها الصغير والكبير، لعل كرامتها انتفضت على الاسم المهين الذي قرر أبناؤك أن يطلقوه عليها فأصبح اسمها، ربما لأنها لم ترَ الشارع منذ شهور، لعلها تكره ملابس الخدم القبيحة التي أرغمتها على ارتدائها خارج المنزل فصارت تمشي وراءكم وتحمل مشترياتكم ليتضاعف إحراجها مما ترتديه، ألازلت تعتقد أن الكوب المكسور هو السبب؟
 
زوجتك لم تطلب الطلاق لأنك نسيت شراء شيء ما، تلك هي القشة فحسب، ربما طلبت الطلاق لأنك نسيت قبل ذلك أشياء أخرى كثيرة على مدى السنين، قد تكون نسيت اسمها في زحمة أسمائهن، قد تكون نسيت أن تمنحها بعضاً من وقتك أو مالك، لعلك نسيت الاطمئنان عليها حين كانت في أشد الحاجة إليك، وربما نسيت أن تحترمها فأصبحت فريسة سهلة للتجريح لأسباب تافهة، تتعالى صرخاتك عليها أمام الأبناء في البيت بل وحتى أمام الأغراب في الأماكن العامة، لَم تستغرب من قدرتها على الصبر سنيناً طوالاً تحملت فيها البخل والإهانة وتستغرب اليوم من رد فعلها؟
 
التراكمات هي النار الهادئة التي تنضج عليها الاختلافات حد الاحتراق والافتراق،التراكمات هي السبب الذي يجعل الإنسان غير قادر على وضع يده على موضع الألم بالتحديد، لأنها أمور صغيرة كثيرة أصبحت بين يوم وليلة مارداً فقدنا السيطرة عليه وصار يفتك بالأخضر واليابس، مما يجعل من حولنا مندهشين من القشة، رغم أنها القشة فحسب، ولكل حكاية أبعاد أخرى أعمق.
 
لاتستهين بالتراكمات فمعظم النار من مستصغر الشرر، وكلما حاولت السيطرة على التراكمات مبكراً سهل عليك التخلص من آثارها على حياتك، أما إن نفضت يدك من إصلاح وضع ما فأخرج نفسك منه، لا تنتظر القشة كي تقرر أنك لا تريد أن تعيش هذه الحياة بعد اليوم، فقد تأت القشة متأخرة جداً بعد أن تخسر أشياء ثمينة لا تعوض، وقد لا تأت أبداً، فتَعلَق في ذلك الوضع حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
 
جريدة الراية القطرية - الإثنين  28/1/2013 م
 

الاثنين، 21 يناير 2013

هل أسأت الأدب مع الله؟

نغضب كثيراً إذا أساء شخص ما الأدب معنا، وربما حمّلنا حادثة واحدة فوق ما تحتمل كالسلام البارد أو إرسال بطاقة دعوة في وقت متأخر أو عدم تلبية دعوة ما، وغير ذلك من الأمور التافهة التي قد تكون سبباً في فتور علاقات اجتماعية كانت متوهجة يوماً ما.
 
لكننا نكيل بمكيالين فنرضى أن نكون نحن الطرف قليل الأدب في المعادلة عند علاقتنا مع رب العزة والجلال، فنفعل أموراً تتجاوز بكثير الأمور التي فعلها في حقنا أولئك البشر، ونكرر فعلها دون إحساس حقيقي بالذنب.
 
ليس من المنطق أن نعامل العباد بأفضل مما نعامل ربهم الذي وإن لم نره فهو معنا يسمع ويرى، الكثيرون يقدرون الناس ولا يعظمون الله، يستحيون من الناس ولا يستحيون من الله، قال تعالى "يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ.." [النساء: 108].
 
- إن كنت ساخطاً على كل شيء، تسب الدهر وتشتكي للناس من سوء حظك، وربما تساءلت بجرأة على الله: ماذا فعلت كي أستحق هذا.. فقد أسأت الأدب مع الله.
 
- إن كان صوت نغمات جوالك يتعالى في بيوت الله ويزعج ضيوفه.. فقد أسأت الأدب مع الله.
 
- إن كنت تسخر من صنع الله؛ فهذا أسود وذاك أصلع وهذه قصيرة وتلك قبيحة.. فقد أسأت الأدب مع الله.
 
- إن لم تعظم شعائر الله فأطلقت النكات على أعمدة الدين كالحج وصوم رمضان وغيرهما.. فقد أسأت الأدب مع الله.
 
- إن سمعت الآذان فلم تلب النداء وانشغلت باللهو ثم صليت في آخر الوقت بتثاقل.. فقد أسأت الأدب مع الله.
 
- إن حاولت التواصل مع شخص يصلي بين يدي الله أو أطلقت تعليقات قد تضحكه.. فقد أسأت الأدب مع الله.
 
- إن كنت لا تحترم المصحف فتضع فوقه كتب الدنيا مثلاً أو تقلب صفحاته بسرعة أو تعرضه لتلف من أي نوع.. فقد أسأت الأدب مع الله.
 
تلك الأمثلة من التصرفات التي لا نلقي لها بالاً إنما هي بعض من جرائمنا اليومية في حق عبوديتنا، فنحن حين نمارس اللامبالاة بتقديس شعائر الله إنما نكون قد أسأنا إلى أنفسنا التي ما عبدته حق عبادته.
 
 ورغم كل أخطائنا الفادحة إلا أننا ما إن نقبل عليه بصدق ونراعي جلالة قدره في كلماتنا وتصرفاتنا فنحيي عظمته في قلوبنا ونزرعها في أرواح أبنائنا سنجده وقد فرح بنا وأقبل علينا بأكثر مما أقبلنا عليه؛ وهو أمر يستحيل أن يفعله أحد من سلاطين الأرض في حق أي من رعيته المتهاونين بقدره، لكنه ملك الملوك.
 
جريدة الراية القطرية - الإثنين 21/1/2013 م

الأحد، 13 يناير 2013

احتفظ برأيك.. لنفسك

أنت يا من تقرأ هذه الكلمات إنسان فاشل، شكلك لا يعجبني، كما أن ملابسك التي ترتديها الآن قبيحة لأن ذوقك سيئ، لا تغضب (فلا أحد يغضب من الصراحة!)، هذه هي الصراحة وهذا هو رأيي الذي من حقي التعبير عنه.
 
تنتهي الكثير من النقاشات الحادّة بجملة "هذا هو رأيي، أليس من حقي أن يكون لي رأي؟ "، وكثيرًا ما تساءلت..هل من حق الناس الإساءة لبعضهم البعض بذريعة "حرية التعبير"؟
 
لا أحد يستطيع حرمانك من رأيك بإدخال يده في رأسك لينتزع منه آراءك في الحياة، من حقك بل من طبيعة تكوينك أن "تفكر" بشكل مستقل، ولكن ليس من الحكمة أن "تعبّر" عن أفكارك في كل شاردة وواردة، فتغتاب هذا وتجرح ذاك وتحرج هذا وتتدخل في شؤون ذاك وتخسر هذا وتتشاجر مع ذاك، كل ذلك من أجل أمور تافهة لم يكن من الضروري أن تصدح برأيك فيها من الأساس، نعم اطمئن فلك رأي وهو موجود في رأسك، لكن.. احتفظ به لنفسك.
 
- إذا كان التعبير عن رأيك يعد أكلاً للحمٍ ميتٍ، تغتاب فيه الناس فتستهزئ بهم أو تقذفهم لمجرد أن لك رأيًا في أشكالهم (التي صوّرها الله سبحانه) أو تصرّفاتهم.. فاحتفظ برأيك لنفسك.
 
- إذا كان في رأيك تدخل في شؤون الآخرين، تنتقد فيه خياراتهم في حياتهم الخاصة كإدارتهم لأموالهم أو اختيارهم لشركاء حياتهم، وهي أمور ليست من شأنك أبدًا.. فاحتفظ برأيك لنفسك.
 
- إذا كان رأيك يتعلق بموضوع لست ملمًا به، فتطلق أحكامًا على الآخرين بناءً على معلومات ناقصة، أو تغرّد في تويتر عن أمور لم تفهمها بشكل كافٍ في الدين أو السياسة أو الرياضة وغير ذلك.. فاحتفظ برأيك لنفسك.
 
- إذا كان التعبير عن رأيك سيسبّب فتنة بين الناس، كأن يتسبب بطلاق زوجين، أو يثير الخلافات بين الإخوة، أو يشعل نارًا مذهبية عبر وسيلة إعلامية.. فاحتفظ برأيك لنفسك.
 
- إذا كان التعبير عن رأيك سيجعلك تخسر صديقًا، أو سيوغر صدور البعض عليك، فكان الثمن الذي ستدفعه بالتعبير عن ذلك الرأي مرتفعًا جدًا رغم أنه يتعلق بأمر هامشي لا يستحق كل تلك البلبلة.. فاحتفظ برأيك لنفسك.
 
-إذا لم تملك الأسلوب الحسن، وأصبح تعبيرك عن رأيك تجريحًا للآخرين فانشغلوا بسوء أسلوبك عن منطقية فكرك، فتعلم أولاً كيف تتحدّث، وإلى ذلك الحين.. احتفظ برأيك لنفسك.
 
- إذا كنت تعلم أن الشخص الذي أمامك لا يتقبّل الآراء من الآخرين أو منك شخصيًا، فهو لا يريد الاستماع لك ولا يهمّه رأيك فلن يأخذ به بل سيهاجمك بسببه.. فاحتفظ برأيك لنفسك.
 
- إن كان رأيك عبارة عن انتقاد لتصرفات تمارسها أنت شخصيًا، فتأمر الناس بالبر وتنسى نفسك.. فاحتفظ برأيك لنفسك.
 
كثيرة هي المواقف التي يفضل فيها أن نحتفظ بآرائنا لأنفسنا، وما الأمثلة أعلاه إلا نموذج بسيط من الكم الهائل من المواقف اليوميّة التي تصادفنا فتزل ألسنتنا بالتعبيرعما نراه نحن رأيًا ويراه الآخرون إهانة أو تدخلاً في شؤونهم أو غير ذلك من التأويلات، فما تراه أنت رأيًا قد يراه الآخر شيئًا آخر، فهو كذلك له رأي في رأيك الذي اخترت أن تعبّر عنه متحملاً بذلك كل تبعات قرارك.
 
إن رأيك ثمين فلا تسترخصه باستنزافه على توافه الأمور، اجعل لكلمتك ثقلاً يفرض على الآخرين احترامك فأنت لم تمنحهم صلاحية الاطلاع على رأيك إلا حين استحق الأمر أن تتحدّث عنه.
 
* يقول ربنا سبحانه وتعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ..) الإسراء 53
 
جريدة الراية القطرية - الإثنين 14/1/2013 م
 


الأحد، 6 يناير 2013

( حتى يغيروا ما بأنفسهم )

 
قالت لي: "لا أطيق بخله، أنا أرضى بالقليل لكنه مقصّر في أساسيّات الحياة بالنسبة لأبنائنا، أخشى أن يأتي اليوم الذي ينفد فيه صبري فأهدّ أركان هذا البيت الذي بنيته بحب صادق ورغبة حقيقيّة في صنع عائلة سعيدة، وما زلت أحاول أن أغيّره حتى يتخلص من هذا البخل!"، أمّا أنا فوددت لو أنّها حاولت توفير المال بنفسها بدل أن يضيع العمر في انتظار الذهب من دجاجة عقيم.
 
فادحة هي الجهود التي نستنزفها في محاولة تغيير الناس حولنا، ولو أننا استعضنا عنها بتغيير أنفسنا لنتأقلم مع عيوبهم لوفّرنا الكثير من العمر، نحن لن نستطيع أن نمنع الحقود من حقده ولا البخيل من بخله، والأولى أن ندعهم وشأنهم ونترك مهمّة تغييرهم للأيام؛ لعلّهم يتأثّرون بمضيّ العمر أو بصدمة ما.
 
إن من مضيعة العمر أن تدفعه ثمنًا رخيصًا في سبيل أن يتغيّروا من أجلك يومًا ما، ألم يأن الأوان لنستيقظ من الأمل الكاذب فنستوعب أخيرًا أن من لا يهمّه رأينا ولا تُوجعه نظرات خيبة الأمل في أعيننا لا يستحقّ حقًّا كل تلك الجهود؟
 
نهدر الكثير من الوقت والجهد في المحاولات الساذجة لتغييرهم، وعندما نفشل يهجم علينا الغضب والإحباط رغم أن أصحاب الشأن أنفسهم لا تتحرّك مشاعرهم قيْد أنملة، متى ننفض اليد من تغييرهم ونُقرّر أخيرًا إمّا أن نتقبّلهم كما هم أو نتركهم للأبد؟
 
تكمن الصعوبة في أنهم غالبًا أشخاص قريبون من قلوبنا، كالأبناء أو الأصدقاء المقرّبين أو الأزواج أو حتى الآباء، هؤلاء لا نُريد أن نتخلى عنهم ولا نستطيع تجاهل تدميرهم لأنفسهم أمام أعيننا، فما الحل؟
 
في أحيان كثيرة لا يُوجد حلٌّ مباشرٌ، فنصيب البعض منّا هو معاناة التفرّج على حبيب يغرق وبجانبه طوق نجاة يرفض استخدامه، من صور العذاب في هذه الحياة ألاّ نتمكن من انتشال الأحبّة ما أوقعوا أنفسهم فيه، كأمٍّ ابيّضت عيناها حزنًا على ابن هجرها منشغلاً بإدمان لا يُريد له علاجًا حتى ماتت دون أن يُلقى عليها قميصه، كأبناء ابتلوا بأبٍ يُمارس عليهم أبوّة من نوع آخر فلا يكاد يصحو من سكرة حتى يغطّ في أخرى أعمق، كأبٍ بلغ من الكبر عتيًّا يُناجي ربّه في سجود صلاة الجمعة أن يأتي بأبنائه الشباب إلى هذا المكان بينما يغطّون في نوم عميق حتى يعود إلى المنزل محدودبَ الظهر بسجادة على كتفه محاولاً إيقاظهم لتناول وجبة الغداء.
 
ورغم كل شيء، ولأن لا علاج للحب، فأنا أرى أن تستمرّ المحاولات الخجولة لوعظهم بين فترة وأخرى، وألاّ تنقطع سهام الليل عن اختراق السماوات من أجلهم،عسى الله أن يهديهم لإصلاح أنفسهم، ويُلهمنا الصبر الجميل، ويُقدّرنا على احتوائهم إن قرّروا يومًا أنهم في حاجتنا لنُعينهم على التغيير.
 
جريدة الراية القطرية - الاثنين 7/1/2013 م